المقالات

لَرُبَّما.. نحن الذين لا نملك وقتا

ثمة جملة أصبحت لازمة هذا العصر، نقولها كثيرًا كأننا نحتمي بها من أنفسنا: “ليس لدي وقت”.
نقولها ونحن ذاهبون إلى أعمالنا و عائدون منها، لصديق طال غيابنا عنه، و لأهل قصرت خطانا إليهم، و لأشياء نحبها و نؤجلها، و لأنفسنا حين نعدها بقليل من الحياة ثم نخلف الوعد.
و المفارقة أننا نعيش في زمن اختصر لنا كل شيء تقريبا، اختصرنا الطريق بالسيارة، و المسافة بالطائرة و الرسالة بالهاتف، و المعاملة بالتطبيق، و الإجتماع بالشاشة فأصبح العالم كله أقرب إلينا، إلا الوقت كلما حاولنا توفيره ازددنا افتقارًا إليه.
لعل المشكلة لم تكن يوما في ضيق الوقت، بل في اتساع الأشياء التي تزاحمه.
نستيقظ و قبل أن نفتح نوافذ بيوتنا على الصباح، نفتح نافذة صغيرة على العالم كله.
هاتف لا ينام، و إشعارات لا تهدأ، و أخبار لا تنتهي لنبدأ يومنا قبل حينه، و نحمل العالم في كف ثم نشكوا أن الدنيا أثقلت كاهلنا.
نقرأ كثيرًا و لا نتأمل، نرى كثيرًا و لا نبصر، نسمع الجميع و لا نصغي لأحد.
حتى امتلأت عيوننا بالمشاهد وفرغت أيامنا من المعنى.
لقد ألغى عصر السرعة المسافة بين الرغبة و تحقيقها، فنريد الطعام الآن، و الخبر الآن، و الرد الآن، و النجاح الآن.
نريد أن نزرع اليوم و نحصد غدًا، و أن نبدأ الطريق صباحًا و نبلغ قمته مساءً.
و حين أصبحت الأشياء أسرع أصبحنا أقل صبرًا، و حين اقترب منا كل شيء، ابتعدنا عن أشياء كثيرة، فاقترب البعيد عبر الشاشة، و بعد القريب الجالس إلى جوارنا.
و لعل أكثر ما يؤلم أن الأشياء المهمة في حياتنا لا تجيد الضجيج، فالعمل يرسل بريدًا، و البنك يرسل إشعارًا، و الهاتف لا يكف عن استدعائنا، لكن أمك لن ترسل إليك تنبيها يقول: لقد كبرت يوما آخر، فاجلس معي قليلا، و إبنك لن يخبرك: طفولتي تمر الآن، و صديقك القديم لن ينبّهك إلى أن المسافة بينكما أوشكت أن تصبح غيابًا، فالأشياء الصغيرة تصرخ طلبًا لانتباهنا، أما الأشياء الكبيرة فتمضي في صمت .
و العمر لا يرحل دفعة واحدة، إنه أكثر هدوءًا و دهاء من ذلك، يأخذ نفسه منا بالتقسيط:
ساعة هنا، و جلسة أجلناها هناك، و زيارة اعتذرنا عنها، و صديقًا قلنا له لاحقا”، و أبا وعدناه بالمجيئ “الأسبوع القادم”.
حتى تتراكم الأمور المهمة اللاحقة، و يأتي يوم نكتشف فيه أن بعض الأشياء التي أجلناها لم تعد تنتظرنا.
لسنا بحاجة دائمًا إلى مزيد من الوقت، بل إلى أن نحسن إنفاق ما لدينا منه.
فنحن نحسب أموالنا بدقة، و نغضب إن ضاع منها القليل، لكننا ننفق أعمارنا ببذخ عجيب.
و المال إن ذهب قد يعود، أما العمر فلا رصيد يُستعاد، و لا وقت يُستدان، و لا أمس يعود معتذرا.
و. سيأتي يوم تهدأ فيه الأشياء التي نظن اليوم أنها لن تهدأ، لتنتهي المشاريع، و تنقضي الإجتماعات، و تنتقل المناصب إلى أسماء أخرى، و يجلس غيرنا على الكراسي التي ظننا يوما أنها مركز العالم.
و تستمر الحياة بسهولة قد تجرح غرورنا قليلا.
فالوقت ليس شيئًا يمر بجوارنا، الوقت هو “نحن”، وكل ساعة نعطيها لشيء، فإننا نعطيه قطعة من أعمارنا.
خاتمة:
لَرُبَّما..
لم تكن مأساتنا أننا لا نملك الوقت، بل أننا أنفقناه بسخاء على أشياء، لم تكن تستحق من أعمارنا كل هذا الثمن.
و تمضي بنا الأيام دون أن نعيشها نحن و من حولنا..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى