في عالم المال و الأعمال مسرح كبير، تعيش فصوله شركات نامية و أخرى ذات باع و تأريخ قديم، في مسرح أصبح و أمسى حديث المجتمعات، لتعدد و سائل التواصل التي تساهم بشكل كبير في نشر فصولها خارج صالاتها المعتادة، بما يجعل من أخبارها حديث المجالس البعيدة و القريبة لسوق المال..
و في الحقيقة إن الشركات كما تنمو تصاعديا مع الزمن بجهود القائمين على إدارتها، هي أيضاً لا تنهار فجأة، و لا يكون سقوطها دائماً نتيجة أزمة كبرى أو ظرف طارئ. ففي كثير من الأحيان، تبدأ الحكاية بتصدّع صغير لا يلتفت إليه أحد: قرار غير مدروس، أو مالك يرى أموال الشركة امتداداً لحسابه الشخصي، أو مدير يظن أن رفع الصوت دليل قوة، أو بيئة عمل يعتقد فيها الموظفون، إن الصمت أكثر أماناً لكراسيهم من قول الحقيقة و مواجهة المسؤول بمكامن الخطر في مراحله الأولى، إذ لا يبدو الأمر خطيراً. فتُبرَّر الخسائر وتُقدَّم الفوضى على أنها مرونة، ويُوصف العناد بأنه ثبات على الموقف، بينما تحصل القرارات الخاطئة على فرص متكررة لا تستحقها. ومع مرور الوقت، تتسع الشقوق، ويتحول الإصلاح إلى وعود مؤجلة، حتى يأتي يوم تكتشف فيه الشركة أن الماء قد وصل إلى محركاتها، وأن الوقت لم يعد في صالحها.
الأخطر من ذلك أن القائمين على الشركة قد يعيشون الغرق دون أن يدركوه. بإعتقادهم أن استبدال بعض الموظفين سيعالج المشكلة، أو أن ضخ المزيد من الأموال سيعيد التوازن، أو أن حملة إعلانية لامعة ستخفي غياب الرؤية. لكن المال و التفكير العقيم وحده لا ينقذ سفينة تتجه بإصرار نحو الصخور، كما أن تبديل الطاقم لن يصنع فرقاً، ما دامت البوصلة معطلة والاتجاه مجهول.
وحين يقع الانهيار، تبدأ الأسئلة التي كان يجب أن تُطرح مبكراً: من المسؤول؟ أين كان الخطأ؟ ولماذا لم يحذرنا أحد؟
لكن الحقيقة أن التحذيرات ربما قيلت، ولم تجد من يصغي إليها، أو أن الخوف جعل الصمت هو اللغة السائدة. وعندها لا يصبح ما يحدث إنقاذاً، بل محاولة متأخرة لجمع ما تبقى من الحطام. فالشركة التي وصلت إلى قاع أزمتها لن تنقذها الخطب الحماسية، و لا شعارات النجاح، و لا خطط الطوارئ التي كُتبت بعد فوات الأوان.
حينها نقول: ما ينفع بعد السقوط هو الإعتراف الصادق بما حدث، وتحمل المسؤولية دون البحث عن ضحية، بل العمل على إستخلاص الدروس قبل التفكير في بداية جديدة. أما الإنقاذ الحقيقي فيبدأ قبل ذلك بكثير: عندما يصغي المالك لمن حوله، ويدرك المدير و مجلس إدارته حدود قدراتهم، ويستطيع الموظف أن يحذر دون خوف، وتفهم القيادة أن امتلاك السفينة لا يعني بالضرورة القدرة على قيادتها.
فالقيادة ليست سلطة على من في السفينة، بل مسؤولية عن سلامتهم، ووضوح في الاتجاه، وشجاعة في تغير المسار قبل الاصتدام
0