عندما صدر الأمر الملكي بتعيين صاحب السمو الملكي الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير الطاقة، رئيساً لمجلس إدارة هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية، مر الخبر (على البعض) باعتباره تغييراً إدارياً في رئاسة إحدى الهيئات. لكن الأمر يعيد إلى الواجهة سؤالاً يستحق أن يعرف المواطن إجابته: ما المحتوى المحلي؟ ولماذا نحتاج إلى هيئة كاملة من أجله؟
البعض حين يسمع كلمة (المحتوى) قد يذهب ذهنه مباشرة إلى ما ينشر من مقاطع وصور وبرامج ومعلومات وترفيه في منصات التواصل، وإلى ما يقال عنه (صناعة المحتوى) لكن (المحتوى المحلي) شيء مختلف تماماً. إنه مفهوم اقتصادي واسع يركز على ما يبقى داخل اقتصادنا من الأموال التي تنفقها الدولة وشركاتها والقطاع الخاص؛ من وظائف ورواتب، ومصانع ومنتجات، وشركات وموردين، وخدمات وتقنية ومعرفة وأصول يتم توطينها داخل المملكة. عندما تنفق الدولة أو شركاتها أو القطاع الخاص (مليار ريال) مثلا، كم من هذا المليار سوف يبقى داخل الاقتصاد السعودي؟ المحتوى المحلي ليس مجرد شعار (اشترِ المنتج السعودي)، وليس مرادفاً للسعودة، وإن كان كلاهما جزءاً منه. إنه مفهوم أشمل يضم القوى العاملة والسلع، والخدمات، والأصول، والتقنية.
ولعل قطاع الطاقة يقدم المثال الأقرب. فالمملكة واحدة من أكبر دول العالم في إنتاج النفط والطاقة، وتنفق الشركات العاملة في هذا القطاع مليارات الريالات على المعدات والهندسة، والصيانة، والتقنية، والخدمات. والسؤال هنا ليس فقط: كم ننتج من النفط؟ بل: كم نصنع محلياً من المعدات التي نستخدمها لإنتاجه؟ وكم شركة سعودية تقدم خدماته؟ وكم مهندساً وفنياً سعودياً يمتلك المعرفة اللازمة؟ وكم تقنية نستطيع تطويرها بأنفسنا؟ وعندما تستورد مستشفى حكومية جهازاً طبياً بملايين الريالات، تخرج الأموال مقابل الجهاز. لكن عندما تستطيع شركة سعودية تصنيع جزء منه، أو صيانته، أو تطوير برمجياته، وتدريب السعوديين عليه، تبدأ القيمة بالبقاء داخل الاقتصاد. وعندما تتحول هذه الشركة لاحقاً إلى مُصدّر، نكون قد انتقلنا من مجرد توطين المشتريات إلى صناعة وطنية تضيف إلى الناتج المحلي.
ولا يكتمل الحديث عن المحتوى المحلي دون التوقف عند توطين الوظائف ونوعيتها، وليس أعدادها فقط. فليس من المنطقي أن نقيس نجاح السعودة بزيادة أعداد السعوديين في وظائف حراسة الأمن، ومحاسبي الصناديق، والاستقبال، وغيرها من الوظائف التشغيلية، بينما تبقى نسبة معتبرة من الوظائف القيادية والتنفيذية والعليا، والوظائف الاستشارية والتقنية والتخصصية ذات الأجور المرتفعة، بعيدة عن التوطين.
المحتوى المحلي في القوى العاملة لا ينبغي أن يُقاس بعدد بطاقات الموظفين السعوديين فقط، بل بقيمة الوظائف التي يشغلونها داخل المنشأة. فما الفائدة أن تحقق شركة نسبة مرتفعة من السعودة في المستويات الدنيا، بينما تتركز الإدارة العليا والاستشارات والتقنية المتقدمة والاستراتيجية وإدارة العقود والمشروعات في كوادر مستقدمة من الخارج؟ السؤال الاقتصادي الأعمق هو: من يستحوذ على النصيب الأكبر من كتلة الرواتب؟ ومن يشغل الوظائف الأعلى قيمة؟ ومن يمتلك المعرفة؟ ومن يتخذ القرار؟ وعندها فقط نستطيع معرفة مقدار المحتوى المحلي الحقيقي في رأس المال البشري. لدينا اليوم أجيال من السعوديين والسعوديات يحملون درجات جامعية وشهادات مهنية، ويمتلك بعضهم خبرات تراكمت على مدى عقود. ومن حق الاقتصاد الوطني أن يستثمر هذه الكفاءات في المواقع التي تصنع القرار، وتنقل المعرفة، وتدير المشروعات الكبرى. التوطين الحقيقي هو أن نجد السعودي في مختلف مستويات الهيكل التنظيمي: من الوظائف التشغيلية، إلى المهندس والمتخصص، ثم المدير والخبير والمستشار، وصولاً إلى الرئيس التنفيذي وقيادات الصف الأول.
لهذا فإن رئاسة وزير الطاقة لمجلس إدارة هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية تستحق أن تُقرأ أبعد من حدود التغيير الإداري؛ فقطاع الطاقة السعودي يمتلك تجربة طويلة في توطين الصناعات والخدمات وسلاسل الإمداد، والمرحلة المقبلة يمكن أن تكون فرصة لتعميق هذه الفلسفة وتوسيع أثرها في بقية قطاعات الدولة.
خاتمة
لدينا إنفاق حكومي ضخم، ومشروعات كبرى، وشركات وطنية عملاقة، وقوة شرائية هائلة. والتحدي لم يعد في حجم ما ننفقه فقط، بل في ماذا يبقى من هذا الإنفاق داخل الوطن بعد أن تنتهي العقود وتُسلَّم المشاريع؟





