المقالات

برستيج جمهورية الكافيين العظمى

رغم اني لست من رواد الكافيهات ولا المقاهي المنتشرة كانتشار النار في الهشيم ، ولا من عشاق القهوة السوداء التي بات لها الف اسم واسم ويصعب علي احياناً حتى نطق بعض اسمائها الغير مألوفة في قاموس لغتنا العربية، إلا أنني ليلة الأمس رافقت احد الأصدقاء فتوجه بنا إلى أحد تلك المقاهي التي اشبه ما تكون بغرف العمليات في المستشفيات من حيث الإضاءة الخافتة التي دُرس توزيعها بعناية، والجدران الإسمنتية العارية التي عَرفت فيما بعد أنهم يسمونها ديكوراً صناعياً، رغم أنها في الحقيقة مجرد جدراناً لم يكتمل بناؤها، وتكتمل الصورة البانورامية بوجود ذلك الموظف الذي يقف خلف الآلة وهو يحدق في كل المتواجدين بنظرة كأنها نظرة طبيب جراح يستعد لفصل توأم سيامي ، وينتظر دخولهم في مرحلة التخدير الكامل .

ومع كل هذه الأجواء الغريبة في نظري تقدم صديقي نحو المحاسب وتقدمتُ من خلقه بوجل، فبادرته أنا بالكلام قائلاً : لو سمحت نريد كوبين من القهوة بالحليب،.فنظر إلي الموظف بنظرة استغراب وتعجب ، وكأني طلبت منه بيع إحدى كليتيه، وقال بنبرة متعالية: تقصد فلات وايت؟ ابتلعتُ ريقي وقلت: نعم،دون أن أفهم ماذا يقصد ،فهز رأسه ، وماهي إلا ثواني معدودة حتى قال: “الحساب خمسون ريالاً ؟! فجحظت عيناي وانعقد لساني من هول الصدمة إلا أنه تحت ضغط النظرات المتربصة بنا من الواقفين خلفنا في الطابور، تدخل صديقي لينقذ الموقف فأخرج بطاقته ودفع المبلغ بحكم أنه هو من عزمني ، وهنا سرح بي الخيال ورجعت بي الذاكرة لأكثر من ثلاثين عام مضت ، وتذكرتُ على الفور أن هذا المبلغ كان يشتري به والدي كيس بنٍّ يكفي العائلة لثلاثة أشهر، مع علبة هيل، ويزيد منه ما يكفي لشراء لعبة لاخي الصغير .

وبعد أن أخذنا الفاتورة تنحينا جانباً ، وماهي إلا بضع دقائق حتى جاء دورنا ، واستلمنا كوبين صغيرين كل كوب تعلوه رغوة كثيفة رسم عليها قلب ينبض بالبخار، وقبل أن أرشف الرشفة الأولى،نبهني صديقي بأن هناك طقوساً يجب علي أن أقوم بها قبل شرب القهوة فنظرتُ حولي، فلم أجد أحداً يشرب قهوته! فالجميع غارقون في طقوس غريبة:هذا يضبط إضاءة هاتفه وتلك تقف على الكرسي لتلتقط صورة من الأعلى وآخر يضع نظارته الشمسية الفاخرة بجانب الكوب ليُثبت للعالم أنه ثري ومثقف في آن واحد، وأخرى تظهر تفاصيل يدها وهي ممسكة بكوب القهوة ،فاكتشفتُ حينها أنني كدت أن ارتكب جريمة لا تغتفر عندما حاولتُ شُرب القهوة قبل أن التقط لها صورة وأرسلها في مختلف وسائل التواصل مع عبارة عميقة من نوع: “صباحات الشتاء الدافئة” رغم أننا في فصل الصيف ، أو مرفقة بعبارة: ”مزاج رايق”، رغم أن تعابير الوجوه توحي بعكس ذلك ، والمفارقة العجيبة أن القهوة تبرد قبل أن تُشرب، بينما الصورة تبقى ساخنة تتجول بين الإعجابات والتعليقات. وكأن الهدف من شراء القهوة ليس تذوقها، بل توثيق لحظة امتلاكها!

وهنا ادركت أن الناس لا تدفع هذا الثمن الباهض لخمسة غرامات من البن وقليل من الحليب المبخر من أجل تعديل المزاج والاستمتاع بطعم البن كما كان يفعل اسلافنا ، بل من أجل “البرستيج الرقمي”. فالقاعدة الأولى في عصرنا الحالي تقول: إذا شربتَ قهوة ولم ترفعها على وسائل التواصل، فأنت لم تشربها،فأصبح البعض يدفع ثمن الديكور أكثر من ثمن البن، وثمن الإضاءة أكثر من ثمن الماء، وثمن الشهرة أكثر من ثمن المتعة ،فصارت القهوة بفعل هذه الطقوس مذهباً فكرياً، وتذكرة عبور إلى الطبقة المخملية، وسبباً رئيسياً في إفلاس العقول قبل الجيوب !

وخزة قلم :
لم يعد السؤال: كيف طعم القهوة؟بل كيف طلعت الصورة؟!

عبدالرحمن العامري

تربوي - كاتب صحفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى