شهد القرن العشرون صراعًا عالميًا بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، شكّل ملامح النظام الدولي لعقود طويلة. أما القرن الحادي والعشرون، فيبدو أنه يشهد نوعًا مختلفًا من المنافسة، تدور رحاها بين الولايات المتحدة والصين، أكبر اقتصادين في العالم، وأبرز قوتين تتنافسان على قيادة المستقبل.
غير أن هذا الصراع يختلف عن الحرب الباردة التقليدية. فهو لا يقتصر على القوة العسكرية أو الأيديولوجيا، بل يمتد إلى التجارة، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والطاقة، وسلاسل الإمداد، والفضاء، وحتى المعايير التي ستحدد شكل الاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.
لقد بدأت قصة الصعود الصيني مع سياسة الإصلاح والانفتاح التي أطلقتها بكين أواخر سبعينيات القرن الماضي. وخلال أربعة عقود، تحولت الصين من اقتصاد زراعي محدود إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وأكبر دولة مصدرة للسلع، ومركز صناعي رئيس للإنتاج العالمي، مع استثمارات ضخمة في البنية التحتية، والتعليم، والبحث العلمي.
وفي المقابل، لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بمكانة فريدة في النظام الدولي. فهي أكبر اقتصاد في العالم وفقًا للناتج المحلي الإجمالي الاسمي، وتملك أضخم سوق مالية، وعملة تُعد العمود الفقري للنظام النقدي العالمي، إضافة إلى ريادتها في الجامعات، والابتكار، والتقنيات المتقدمة، وشبكة واسعة من التحالفات الدولية.
ولهذا، فإن المنافسة بين البلدين ليست مجرد سباق على حجم الاقتصاد، بل هي منافسة على مصادر القوة المستقبلية.
ففي مجال التكنولوجيا، تتنافس الدولتان على تطوير الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، وأشباه الموصلات، والاتصالات المتقدمة. وقد فرضت الولايات المتحدة قيودًا على تصدير بعض التقنيات المتقدمة إلى الصين، بينما تعمل بكين على تعزيز قدراتها الذاتية وتقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأجنبية.
وفي التجارة، شهد العالم خلال السنوات الأخيرة فرض رسوم جمركية متبادلة، وإجراءات لحماية الصناعات الوطنية، وإعادة النظر في سلاسل الإمداد، بما يعكس انتقال المنافسة من الأسواق إلى السياسات الاقتصادية والاستراتيجية.
كما يمتد التنافس إلى المجال الجيوسياسي، حيث تعزز الولايات المتحدة حضورها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بينما توسع الصين نفوذها الاقتصادي من خلال مبادرة الحزام والطريق، واستثماراتها في الموانئ والطرق والسكك الحديدية في آسيا وإفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية.
ورغم حدة المنافسة، فإن العلاقة بين البلدين تختلف عن صراعات الماضي، لأنها تقوم أيضًا على اعتماد اقتصادي متبادل. فالولايات المتحدة والصين ترتبطان بعلاقات تجارية واستثمارية واسعة، وتعتمد شركات في البلدين على أسواق وسلاسل توريد متشابكة. وهذا يجعل أي تصعيد اقتصادي أو سياسي يترك آثارًا تتجاوز الطرفين، لتصل إلى الاقتصاد العالمي بأسره. ولذلك، فإن كثيرًا من الدول لا ترغب في الانحياز الكامل إلى أحد الطرفين، بل تسعى إلى بناء علاقات متوازنة مع الجانبين، حفاظًا على مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.
وتنتهج المملكة العربية السعودية سياسة تقوم على تنويع الشراكات الدولية، وتعزيز التعاون مع مختلف القوى العالمية، بما يخدم مصالحها الوطنية. وترتبط المملكة بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، كما تربطها بالصين شراكة اقتصادية وتجارية متنامية، وهو ما يعكس توجهًا يقوم على التوازن والانفتاح، بما يتوافق مع مصالح المملكة.
وهنا يبرز آمر يهم الجميع وهو هل يتحول التنافس بين الولايات المتحدة والصين إلى مواجهة شاملة!
المعطيات الحالية تشير إلى أن الطرفين يدركان أن الصدام المباشر ستكون كلفته مرتفعة على الجميع. ولذلك، يبدو أن المنافسة ستستمر في إطار اقتصادي وتقني واستراتيجي، مع محاولات لإدارة الخلافات ومنع تحولها إلى صراع واسع، وإن كانت احتمالات التوتر ستظل قائمة في بعض الملفات الحساسة.
لقد دخل العالم مرحلة لم تعد فيها القوة تُقاس بحجم الجيوش فقط، بل بامتلاك المعرفة، والتكنولوجيا، والقدرة على الابتكار، والسيطرة على سلاسل القيمة العالمية. ومن المرجح أن يكون الفائز في هذا السباق ليس من يحقق انتصارًا على الآخر، بل من ينجح في بناء اقتصاد أكثر مرونة، ومجتمع أكثر ابتكارًا، وتحالفات أكثر اتساعًا.
وفي النهاية، قد يكون عنوان القرن الحادي والعشرين هو المنافسة بين واشنطن وبكين، لكن مستقبل العالم لن تحدده نتيجة هذا التنافس وحدها، بل قدرة المجتمع الدولي على إدارة هذه المنافسة بحكمة، بحيث تبقى في إطار التنافس المشروع، ولا تتحول إلى صراع يهدد الاستقرار والازدهار العالميين.

