المقالات

حين يصل التعليم إلى سرير المريض

لم يكن مقعدها في فصل دراسي، بل كان سريرًا تحيط به الأجهزة الطبية. وبين جلسات العلاج، ظل كتابها المدرسي قريبًا منها، كأنها تتمسك من خلاله بحياتها الطبيعية وبمستقبل ينتظرها خارج أسوار المستشفى.
التقيتُ بتلك الطفلة في أحد المستشفيات، ورافقت رحلتها التعليمية طوال فترة بقائها فيه. كنا نتابع تقدمها الدراسي، ونفرح بكل مهارة تتقنها، وبكل حرف تكتبه، وبكل درس تنجزه رغم تحدياتها الصحية، حتى أتمّت الصف الثالث الابتدائي وهي لا تزال على سرير العلاج.
ثم جاء اليوم الذي انتظرناه جميعًا… خرجت من المستشفى، وعادت إلى مدرستها بين زميلاتها، لتواصل رحلتها التعليمية من جديد. يومها أدركت أن ما قُدّم لها لم يكن مجرد حصص دراسية، بل كان جسرًا حافظ على استمرارية تعلمها، وصان ثقتها بنفسها، ومنع المرض من أن ينتزع منها حقها في المستقبل.
ولم تكن تلك الطفلة الوحيدة؛ فقد رأيت عشرات الأطفال وهم يواصلون تعليمهم رغم المرض، وكان كل نجاح يحققونه يؤكد أن التعليم ليس رفاهية، بل حق يمنحهم القوة لمواجهة الحياة، ويمنح أسرهم الطمأنينة بأن مستقبل أبنائهم لم يتوقف عند أبواب المستشفى.
في كل زيارة كنت أغادر المستشفى وأنا أحمل شعورين متناقضين؛ ألمًا لما يعيشه هؤلاء الأطفال من معاناة، وفخرًا بما أشاهده من جهود مخلصة تبذلها الكوادر التعليمية. هناك أيقنت أن الحصة الدراسية داخل المستشفى ليست مجرد درس، بل رسالة أمل.
وانطلاقًا من إيمان المملكة العربية السعودية بأن التعليم حق لكل طالب وطالبة، مهما كانت ظروفهم الصحية، تقدّم وزارة التعليم، ممثلةً بالإدارة العامة لبرامج ذوي الإعاقة، خدماتٍ تعليميةً للطلاب والطالبات المقيمين في مراكز الأورام والمستشفيات ومن في حكمهم؛ ضمانًا لاستمرار رحلتهم التعليمية.
ولا تقوم هذه الخدمات على نقل الفصل التقليدي إلى المستشفى فحسب؛ بل تبدأ بتقدير حالة الطالب واحتياجاته، وإعداد خطة تعليمية فردية تراعي قدراته ووضعه الصحي وتوصيات الطبيب المعالج، مع تكييف طرائق التدريس والمناهج والواجبات وأساليب التقويم، والاستفادة من البدائل الإلكترونية عند الحاجة. كما تشمل جوانب أكاديمية وخدمات مساندة نفسية واجتماعية، بما يعزز ثقة الطالب بنفسه، ويهيئ عودته إلى مدرسته واستمرار تقدمه الدراسي.
وفي منطقة الرياض، تتجسد هذه الرؤية من خلال متابعة قسم ذوي الإعاقة بالإدارة العامة للتعليم بمنطقة الرياض تقديم الخدمات التعليمية في المستشفيات ومراكز الأورام، والتنسيق مع الجهات ذات العلاقة لتوفير الاحتياج من الكوادر التعليمية والإدارية، ومتابعة سير الفصول التعليمية والتحديات المرتبطة بها. وتتكامل هذه الجهود مع أدوار المدرسة المسجل بها الطالب، والأسرة، والمعلمين، والإرشاد الطلابي، والجهات الطبية؛ حتى تبقى رحلة التعلم متصلة بين المدرسة والمستشفى والمنزل.
ومن هنا، أتقدم بخالص التقدير والامتنان لوزارة التعليم، ممثلةً بالإدارة العامة لبرامج ذوي الإعاقة، وللإدارة العامة للتعليم بمنطقة الرياض، ممثلةً بقسم ذوي الإعاقة، وللكادر التعليمي والإداري الذي أسهم في استمرار هذه الرسالة التعليمية والإنسانية.
لقد علّمتني تلك الطفلة أن التعليم في أوقات المرض لا يحفظ التحصيل الدراسي فحسب، بل يحفظ للطفل شعوره بالحياة الطبيعية، وانتماءه إلى مدرسته، وثقته بأن الغياب للعلاج لا يعني الغياب عن المستقبل.
«قد ينجح الطبيب في علاج الجسد، بينما يساند التعليم روح الطفل؛ فيحفظ ثقته بنفسه، ويمنحه الأمل، ويؤكد له أن مستقبله ما زال ينتظره».

د. ميعاد آل نملان

دكتوراه في الإدارة التربوية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى