كتاب الرأي

تهيئة الأسواق لاحتمال صدمة نفطية فوق 100 دولار

ارتفاع أسعار النفط إلى ما فوق 100 دولار لم يعد سيناريو مستبعداً ونحن نقترب من نهاية عام 2026. فالأسواق التي اعتادت على استقرار نسبي بين 70 و 85 دولار تواجه اليوم صدمات متتالية بدأت بحرب مباشرة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، واستمرت باستهداف البنية التحتية النفطية، وانتهت بتقلص حاد في تدفقات مضيق هرمز. لم تعد المسألة تتعلق بعرض وطلب كلاسيكي، هي جيوسياسة الطاقة. فأي خلل في الخليج لا يبقى محصوراً في المنطقة، ينتقل فوراً إلى محطات الوقود في أوروبا وآسيا وأمريكا، وإلى فواتير الكهرباء ومصانع البتروكيماويات وميزانيات الحكومات. لذلك الحديث عن تهيئة الأسواق لا يعني فقط شراء المزيد من البراميل، يعني إعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والمواطن والقطاع الخاص مع احتمال أن نعيش شهوراً طويلة في ظل نفط مرتفع.

السبب الأول وراء احتمالات الصدمة هو انهيار المعروض الفعلي من الخليج. فخلال الأشهر الماضية تحول مضيق هرمز من شريان حيوي إلى ساحة مواجهة. قبل الحرب كان يمر عبره أكثر من 20 مليون برميل يومياً، اليوم انخفض الرقم إلى نحو 5 مليون. هذا الفقدان لا يمكن تعويضه بسرعة حتى لو رفعت السعودية والإمارات إنتاجها إلى الحد الأقصى، لأن المشكلة ليست في الحقول، المشكلة في التأمين والشحن ونفور الشركات من المخاطرة. شركات النقل بدأت تفرض علاوات حرب على كل ناقلة، ومصافي التكرير في آسيا بدأت تبحث عن بدائل أفريقية وأمريكية أغلى وأبطأ. النتيجة أن السوق دخل في عجز هيكلي يصعب سده قبل نهاية العام.

السبب الثاني هو تحول إيران نفسها إلى لاعب يتعمد رفع الكلفة. القيادة الجديدة في طهران لا تراهن على بيع نفطها، تراهن على منع الآخرين من البيع. الهجمات على الناقلات، التهديدات بإغلاق المضيق، وتصريحات مسؤولين كبار بأن “لا قطرة نفط ستصدر لو استمرت الحرب” كلها أدوات في عقيدة الردع الاقتصادي. إيران تعلم أن أي دولار إضافي في سعر البرميل هو ضربة لخصومها في واشنطن ولندن وبروكسل. لذلك حتى لو جلست على طاولة التفاوض، ستفعل ذلك بينما الأسعار مشتعلة.

السبب الثالث يأتي من جانب الطلب الذي لم ينكسر بالشكل المتوقع. الصين رغم تباطؤها ما زالت تستورد بكثافة لتخزين احتياطي استراتيجي. الهند رفعت وارداتها خوفاً من شح الشتاء. أوروبا التي قلصت اعتمادها على الغاز الروسي عادت للاعتماد على الديزل والنفط لتوليد الكهرباء. هذا يعني أن السوق لا يملك “وسادة طلب” تمتص الصدمة. أي خبر سيء واحد يكفي لدفع المضاربين لشراء عقود آجلة تدفع السعر فوق 100 دولار خلال أيام.

السبب الرابع هو ضعف المخزونات العالمية. الولايات المتحدة استنزفت جزءاً كبيراً من احتياطيها الاستراتيجي في 2022 و2023 ولم تعده بالكامل. مخزونات منظمة التعاون الاقتصادي OECD عند أدنى مستوياتها منذ 2014. دول الخليج نفسها تستهلك محلياً كميات أكبر في الصيف بسبب التكييف وتحلية المياه. هذا يعني أن الصدمة لن تجد مخزوناً كبيراً يطفئها، ستجد سوقاً عارية.

انعكاس سعر 100 دولار سيكون مباشراً ومتعدد الطبقات. على المواطن سيرتفع سعر البنزين والمواصلات والغذاء لأن كلفة النقل سترتفع. على المصانع ستزيد فاتورة الطاقة ويتراجع هامش الربح خصوصاً في البتروكيماويات والأسمنت والألمنيوم. على الحكومات سيضغط التضخم على البنوك المركزية لرفع الفائدة مجدداً مما يبطئ النمو. على المستوى الاجتماعي، ارتفاع الأسعار سيغذي الاحتجاجات في الدول المستوردة ويخلق حالة من الغضب ضد الحكومات.

لذلك التهيئة يجب أن تكون شاملة. على مستوى العرض، تحتاج دول الخليج إلى ضمان استمرار الصادرات عبر خطوط بديلة مثل شرق غرب السعودي وخط الفجيرة الإماراتي، وتوسيع الطاقة التخزينية في الموانئ الآمنة. على مستوى الطلب، تحتاج الحكومات إلى حملات ترشيد استهلاك فعلية وليس إعلامية، من دعم النقل العام إلى تشجيع العمل عن بعد في أيام الذروة. على مستوى المالية، يجب إعادة النظر في دعم الوقود الذي كان قابلاً للاستمرار عند 70 دولار ويصبح عبئاً هائلاً عند 100 دولار. الحل ليس رفعه فجأة، الحل جدولة مرنة تربط الدعم بالسعر العالمي مع حماية الفئات الأشد فقراً.

أما على مستوى الأسواق المالية، فالبنوك وشركات التأمين يجب أن تجهز سيناريوهات إجهاد لأسعار النفط المرتفعة. الشركات الكبرى عليها التحوط بشراء عقود آجلة وتثبيت جزء من كلفة الطاقة. أما المواطن فيحتاج إلى شفافية، أن يفهم أن ارتفاع السعر هو انعكاس لحرب في الخليج قد تستمر.

سعر 100 دولار للنفط في 2026 هو اختبار لمرونة الاقتصادات. فالعالم اعتاد أن يعالج الصدمات النفطية عبر زيادة الإنتاج أو إطلاق المخزونات. هذه المرة الأدوات أضعف والحرب أقرب والخيارات أضيق. التهيئة الحقيقية لا تعني انتظار الكارثة ثم الاستجابة، تعني الاعتراف من الآن أننا دخلنا مرحلة نفط مكلف ومتقلب. دول الخليج التي تملك الفائض تتحمل مسؤولية مضاعفة، ليس فقط في ضخ المزيد من النفط، في قيادة تحالف إقليمي لحماية الملاحة ومنع تحول هرمز إلى سلاح دائم. أما الدول المستوردة فعليها أن تتوقف عن التعامل مع الأزمة كحدث عابر. شهور فوق 100 دولار كافية لإعادة رسم خرائط التضخم والنمو والاستقرار الاجتماعي. الاستعداد المبكر هو الفارق بين أزمة يمكن إدارتها، وبين صدمة تتحول إلى كساد.

د. علي محمد الحازمي

خبير وباحث اقتصادي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى