
لم تعد العلاقات السعودية الأردنية تقف عند حدود العلاقات التاريخية والأخوية التي جمعت البلدين والشعبين لعقود طويلة، بل تتجه اليوم إلى آفاق أوسع، عنوانها التكامل الاقتصادي والاستثماري، وبناء شراكات قادرة على صناعة فرص جديدة تتجاوز حدود البلدين إلى أسواق المنطقة.
وفي هذا السياق، يبرز ما يبحثه مجلس الأعمال الأردني السعودي المشترك من توجه لجعل الأردن محطة ومنطلقًا للمشروعات المرتبطة بإعادة الإعمار في الإقليم، من خلال شراكات تجمع الشركات السعودية والأردنية، مستفيدة من الموقع الاستراتيجي للأردن، وما تمتلكه المملكة من قدرات اقتصادية واستثمارية وشركات قادرة على الدخول في مشروعات كبرى.

وهذا التوجه، في تقديري، لا يمثل مجرد فرصة استثمارية عابرة، وإنما يعكس قراءة واعية لمتغيرات المنطقة، وما يمكن أن تفرزه المرحلة المقبلة من احتياجات كبيرة في مجالات الإنشاء والتعمير والبنية التحتية والخدمات اللوجستية.
فالأردن يتمتع بموقع جغرافي مهم، ويشكل شريانًا للنقل والخدمات اللوجستية، وبوابة للمملكة نحو العراق وسوريا، وهو ما يمنحه أهمية إضافية في أي رؤية مستقبلية لإعادة الإعمار في المنطقة.
ومن هنا تأتي أهمية حديث رئيس الجانب السعودي في مجلس الأعمال الأردني السعودي المشترك عبدالرحمن الثبيتي عن العمل على تعزيز التكامل الاقتصادي بين البلدين، والاستفادة من وجود شركات سعودية متخصصة في قطاعات ترتبط بصورة مباشرة بمشروعات الإعمار، مثل الحديد والإسمنت والزجاج والإنشاءات، بما يفتح المجال أمام تكامل حقيقي مع الشركات الأردنية.
والأهم من ذلك أن الفكرة لا تتوقف عند دخول شركة سعودية إلى السوق الأردني أو شركة أردنية إلى السوق السعودي، بل تتجاوز ذلك إلى تأسيس شراكات واستثمارات مشتركة تنطلق من البلدين إلى أسواق الإقليم.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لهذا التوجه؛ فالاقتصاد الحديث لا يقوم فقط على الاستثمارات المنفردة، وإنما على التحالفات والشراكات التي تجمع الخبرة والتمويل والموقع والأسواق والقدرات التنفيذية.
وقد أكد رئيس غرفة تجارة الأردن خليل الحاج توفيق أن اجتماعات المجلس تستهدف وضع خارطة طريق اقتصادية للعام المقبل، والانتقال بالعلاقة بين القطاع الخاص الأردني والسعودي من الاستثمار المنفرد إلى تأسيس استثمارات وشركات مشتركة داخل البلدين وخارجهما، مع تشكيل لجان متخصصة، من بينها لجان معنية بإعادة الإعمار.
وهذا التوجه يستحق التوقف عنده؛ لأن وجود 12 لجنة متخصصة ضمن مجلس الأعمال يعكس رغبة في الانتقال من مرحلة الأفكار العامة إلى مرحلة تحديد الفرص والمشروعات وآليات التنفيذ والمتابعة
كما أن إعادة تقييم وهيكلة لجان المجلس بصورة أكثر مرونة، وإنشاء مسارات عمل وفق الحاجة وإيقاف المسارات التي لا توجد مشروعات حقيقية للعمل عليها، يمثل أسلوبًا عمليًا يمكن أن يعزز فاعلية المجلس ويجعل جهوده أكثر ارتباطًا باحتياجات قطاع الأعمال.
ولعل من أبرز الخطوات المنتظرة إقامة منتدى اقتصادي واستثماري سعودي أردني مشترك في المملكة خلال العام المقبل، ليكون منصة يلتقي فيها المستثمرون وقطاعا الأعمال في البلدين، للتعرف على الفرص الاستثمارية والمنتجات والأسواق، وفتح الطريق أمام مشروعات جديدة يجري الإعلان عنها تباعًا.
إن ما يحدث اليوم بين الرياض وعمّان يمكن النظر إليه باعتباره نموذجًا للعلاقات العربية التي تنتقل من عمقها السياسي والاجتماعي إلى شراكة اقتصادية عملية، تستثمر الإمكانات المتاحة وتستشرف احتياجات المستقبل.
فالمملكة العربية السعودية بما تمتلكه من ثقل اقتصادي ومشروعات كبرى وخبرات متراكمة في قطاعات الإنشاء والبنية التحتية، والأردن بما يمتلكه من موقع استراتيجي وخبرات وكفاءات وعلاقات واسعة في المنطقة، يستطيعان معًا صناعة نموذج اقتصادي أكثر اتساعًا.
وقد يكون الأردن بالفعل محطة مهمة للشركات السعودية نحو مشروعات إعادة الإعمار في الإقليم، لكن الأهم أن تتحول هذه الرؤية إلى مشروعات محددة، وشركات مشتركة، واستثمارات مستدامة، وخطط زمنية واضحة؛ حتى لا تبقى الأفكار الجميلة حبيسة الاجتماعات والمنتديات.
إن التكامل السعودي الأردني ليس جديدًا، لكن الجديد هو أن يأخذ هذا التكامل اليوم صورة أكثر نضجًا واتساعًا، عنوانها: شراكة تصنع الفرصة، وتفتح الأسواق، وتبني المستقبل.
وهكذا تظل العلاقات السعودية الأردنية نموذجًا حيًا للعلاقات التي لا تكتفي بالماضي المشترك، بل تنظر إلى المستقبل بعين الشراكة والثقة والمصالح المتبادلة، بما يخدم البلدين ويمتد أثره إلى محيطهما.


