دخل شاب المسجد، فوجد شيخاً يشرح لطلابه «صحيح البخاري»، فقال له ساخراً: يا شيخ، الناس وصلوا إلى القمر، وأنت ما زلت تشرح لهم صحيح البخاري! ابتسم الشيخ وقال بهدوء: وأنت لم تذهب معهم إلى القمر، ولم تجلس معنا لتقرأ البخاري! انتهت الحكاية، لكن معناها لم ينتهِ. فكم من إنسان يقف على هامش المشهد، لا يشارك في الإنجاز، ولا يخوض التجربة، ولا يقدم بديلاً، ثم يمنح نفسه حق السخرية ممن يعملون ويجتهدون!
المشكلة ليست في أن تنتقد؛ فالنقد قد يكون ضرورة، وقد يكون سبباً في تصحيح الأخطاء وتطوير الأعمال. وليس من الضروري أن تكون كاتباً حتى تنتقد كاتباً، أو باحثاً حتى تناقش بحثاً، أو مديراً حتى تبدي رأياً في أداء مدير؛ فقد يرى الإنسان خطأً لا يراه غيره.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول النقد إلى وسيلة لانتقاص الآخرين، لا وسيلة لتصحيح أعمالهم، وعندما يصبح اكتشاف عيوب الناس أسهل على الإنسان من اكتشاف ما ينقصه هو. تجد أحدهم ينتقد كاتباً وهو لم يكتب مقالاً في حياته، ويهاجم باحثاً وهو لم ينجز بحثاً واحداً، ويعيب مديراً وهو لم يقد فريقاً ولو من شخصين، وينتقص من مشروع لم يشارك في بنائه، ويسخر من تجربة لم يجرؤ هو نفسه على خوض ما هو أسهل منها.
وقد ترى شاباً لم يُكمل تعليمه الابتدائي أو المتوسط، ثم يتحدث باستخفاف عن طالب جامعي وتخصصه، وكأنه أمضى سنوات طويلة في التعليم والبحث حتى أصبح قادراً على تقييم تخصصات الآخرين. وقد يزدري تخصصاً أكاديمياً لأنه لا يفهمه، أو يقلل من شأن شهادة لم يحصل عليها، لا لأنه يمتلك حجة علمية عليها، وإنما لأنه لم يدرك حجم المعرفة والجهد اللذين يتطلبهما الوصول إليها.
والأغرب أن بعض هؤلاء يتحدثون عن تجارب الآخرين وكأنهم خبراء فيها، وعن إنجازاتهم وكأنهم كانوا قادرين على تحقيق أفضل منها، مع أنهم لم يقدموا بديلاً، ولم يخوضوا التجربة، ولم يتحملوا شيئاً من كلفتها أو مخاطرها. إنه لا يملك رصيداً من الإنجاز، لكنه يملك فائضاً من الأحكام. ولعل أكثر ما يثير الانتباه أن الإنسان قد يستخدم إنجازات الآخرين ليشعر بالتفوق على من أمامه. وهذا ما فعله الشاب في الحكاية؛ فهو لم يكن ممن وصلوا إلى القمر، ولم يشارك في صناعة المركبة التي حملت رواد الفضاء، لكنه استعار إنجاز غيره ليقلل من شأن ما يفعله الشيخ. وهذه ظاهرة تتكرر في حياتنا: شخص لم يشارك في إنجاز، فيتحدث عنه وكأنه صاحبه؛ وآخر لم يخض تجربة، فيسخر ممن خاضها؛ وثالث لم يبنِ مشروعاً، فيسهل عليه تعداد عيوب مشروع بناه غيره بعد سنوات من العمل. فإنجازات الآخرين ليست رصيداً في حسابك.
فالذين وصلوا إلى القمر هم الذين وصلوا إليه، وليس كل من تحدث عن وصولهم. ومع ذلك، ليس المطلوب أن نصمت عن الأخطاء لمجرد أننا لم نحقق إنجازاً مشابهاً. فليس معنى ذلك أن من لم يكتب كتاباً لا يحق له أن ينتقد كتاباً، أو أن من لم يدر مؤسسة لا يحق له أن يناقش أداء مديرها. النقد لا يحتاج دائماً إلى رصيد من الإنجاز، لكنه يحتاج إلى رصيد من المعرفة والإنصاف والموضوعية. فهناك فرق كبير بين أن تقول: «هذا العمل فيه خلل، وهذه أسبابه، وهذا ما أراه من بدائل»، وبين من يكتفي بالقول: »ما عندهم سالفة «!وكأنه بذلك قدّم نقداً أو كشف خللاً. الأول نقد يمكن أن يُستفاد منه، أما الثاني فقد لا يكون أكثر من مجرد استخفاف بعمل الآخرين والتهكم عليه. ولذلك، قبل أن توجه سهام النقد إلى الآخرين، اسأل نفسك: هل أعرف تفاصيل ما أنتقده؟ هل أعرف الظروف التي أُنجز فيها؟ وهل أنا بصدد نقد العمل، أم الانتقاص من صاحبه؟
فالناقد الحقيقي لا يحتاج إلى تحطيم الآخرين حتى يبدو أفضل منهم. ومن جعل التقليل من إنجازات الناس طريقاً إلى الشعور بالتفوق، فقد يكون في الحقيقة يحاول تعويض نقص يراه في نفسه. وقد يقضي بعض الناس وقتاً طويلاً في تعداد ما ينقص الآخرين، بينما لا يملكون شيئاً يضيفونه إلى ما حولهم. وليس من الصعب أن تجد عيباً في عمل أنجزه غيرك، لكن الأصعب أن تقدم أنت عملاً يخضع للنقد والتقييم. لذلك، قبل أن تنتقد، هناك ثلاثة أسئلة تستحق أن تطرحها على نفسك: هل أخطأوا فعلاً؟ هل هدفي من نقدهم إصلاح الخطأ، أم التقليل من شأنهم؟ وهل لدي بديل أو مقترح أفضل يمكن أن أقدمه؟ فإذا كانت الإجابة عن السؤال الأول: نعم، وعن الثاني: إنني أريد الإصلاح، وعن الثالث: لدي ما يمكن أن يكون أفضل؛ فانتقد وقل ما لديك، فقد يكون نقدك نافعاً، وربما أسهم في تصحيح الخطأ وتطوير العمل.
أما إذا كنت لا تعرف حقيقة الخطأ، ولا تبحث عن إصلاحه، ولا تملك بديلاً عنه، وإنما غايتك أن تقلل من شأن من أنجزه، فربما كان الأجدر بك أن تتوقف لحظة وتسأل نفسك: لماذا أنا مشغول بإنجازات الآخرين أكثر من انشغالي بما أستطيع أن أنجزه أنا؟ فالنقد قيمة حين يكون وراءه معرفة، وهدفه إصلاح، وغايتُه تطوير. أما حين يصبح مجرد وسيلة للاستخفاف بالآخرين والتهكم على أعمالهم، فإنه لا يكشف عيوب من ننتقدهم بقدر ما يكشف شيئاً عن أنفسنا. فلا تكن شيناً وقوي عين؛ انتقد العمل إن أخطأ، وقدم بديلاً إن كان لديك، أما أن تستخف بإنجاز لم تشارك فيه، فذلك ليس نقداً… بل شين وقوي عين!

