كتاب الرأي

القبول الجامعي…. من عدالة الأرقام إلى عدالة الفرص

حين تصبح فلسفة القبول أهم من أعداد القبول….
في كل عام، ومع إعلان نتائج الثانوية العامة، يبدأ المجتمع احتفاءه المعتاد بتفوق أبنائه، لكن خلف هذا المشهد الاحتفالي تختبئ واحدة من أكثر القضايا تأثيرًا في مستقبل رأس المال البشري. فسرعان ما تتحول فرحة النجاح إلى قلق جماعي، ويتراجع السؤال الذي يفترض أن يكون محور المرحلة: ماذا يريد الطالب أن يصبح؟ ليحل محله سؤال آخر أكثر حضورًا وأقل عمقًا: أي تخصص تسمح به الموزونة؟
هذه المفارقة تكشف أن قضية القبول الجامعي لم تعد قضية إجراءات أو آليات حسابية، بل أصبحت قضية فلسفة تعليمية واقتصادية. فحين يختزل مستقبل الإنسان في رقم، لا تكون المشكلة في دقة الرقم، وإنما في السلطة التي مُنحت له.
لقد صُممت الدرجة الموزونة لتحقيق العدالة في توزيع المقاعد الجامعية، لكنها مع مرور الوقت تحولت من حيث لا نشعر إلى أداة لتحديد المسار المهني، وأحيانًا المكانة الاجتماعية لعشرات الآلاف من الطلاب، وبذلك انتقلنا من استخدام الأرقام لتنظيم المنافسة، إلى استخدامها لرسم مستقبل إنسان. وهنا يكمن الخلل…
فالفرق بين طالب وآخر قد لا يتجاوز أجزاءً من الدرجة، بينما يترتب عليه اختلاف جذري في الفرص المهنية والحياتية. وكأن النظام يفترض أن هذا الفارق العددي يعكس فارقًا مماثلًا في الكفاءة أو القدرة على النجاح، وهو افتراض لا تؤيده الأدبيات الحديثة في التربية، ولا تؤكده تجارب الجامعات المتقدمة، ولا تثبته أسواق العمل. فالنجاح الأكاديمي ليس مرادفًا للنجاح المهني، كما أن التفوق الدراسي لا يمثل سوى أحد مكونات الكفاءة البشرية. أما النجاح الحقيقي، فهو نتاج تفاعل معقد بين المعرفة، والقدرات التحليلية، والذكاء العاطفي، والدافعية، والانضباط، والمرونة، والقدرة على التعلم المستمر. وهذه كلها متغيرات يصعب اختزالها في موزونة القبول، مهما بلغت دقتها الإحصائية.
ومن هنا، فإن الطالب الذي حُرم من تخصص يحلم به بفارق عُشر درجة ليس أقل احتمالًا للنجاح ممن سبقه، كما أن صاحب أعلى درجة موزونة ليس بالضرورة الأكثر تميزًا بعد التخرج. فالجامعات لا تُخرّج درجات، وإنما تُخرّج كفاءات، والاقتصادات لا تتنافس بنتائج الثانوية، وإنما بجودة رأس المال البشري الذي تنتجه مؤسساتها التعليمية. ولعل هذا هو البعد الذي يغيب عن كثير من النقاشات المتعلقة بالقبول الجامعي. فالقضية ليست شأناً تعليمياً صرفاً، بل قضية تنموية واقتصادية بامتياز. إذ تشير نظريات رأس المال البشري إلى أن النمو الاقتصادي المستدام يعتمد بدرجة كبيرة على حسن استثمار قدرات الأفراد، وتوجيههم نحو المجالات التي تتوافق مع استعداداتهم، لأن الإنتاجية لا تنبع من التعليم وحده، بل من جودة المواءمة بين الإنسان والعمل.
عندما يُدفع آلاف الطلاب إلى تخصصات لا يرغبونها، أو لا تتوافق مع ميولهم، فإن الخسارة لا تقتصر على انخفاض الرضا الوظيفي، بل تمتد إلى تراجع الإنتاجية، وارتفاع معدلات تغيير المسار المهني، وضعف الابتكار، وهدر جزء من العائد المتوقع على الاستثمار في التعليم. إن أسوأ أشكال الهدر الاقتصادي ليس إهدار المال، بل إهدار الموهبة.
وفي المقابل، لا يمكن تحميل أنظمة القبول وحدها كامل المسؤولية. فما تزال الثقافة المجتمعية تنظر إلى بعض التخصصات باعتبارها مؤشراً للمكانة الاجتماعية أكثر من كونها مسارًا لتحقيق القيمة الاقتصادية أو الذاتية. ولذلك أصبح كثير من الطلاب يسعون إلى اسم الكلية قبل أن يفكروا في طبيعة المهنة، ويبحثون عن المكانة قبل البحث عن التميز. غير أن الاقتصاد العالمي تغيّر بصورة جذرية. فنحن نعيش اليوم في اقتصاد تقوده المعرفة، وتعيد فيه التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي تشكيل الوظائف بوتيرة غير مسبوقة. ولم تعد القيمة السوقية للأفراد تُقاس باسم تخصصاتهم بقدر ما تُقاس بقدرتهم على التعلم، والتكيف، والإبداع، والعمل في بيئات متغيرة. بل إن كثيرًا من الوظائف التي سيشغلها خريجو العقد القادم لم تكن موجودة عندما التحقوا بالمرحلة الثانوية، وهو ما يجعل أنظمة القبول التقليدية أقل قدرة على الاستجابة لمتطلبات المستقبل. ولهذا، فإن إصلاح القبول الجامعي ينبغي أن يبدأ بإعادة تعريف السؤال نفسه.
فبدلاً من أن يكون السؤال: من يستحق المقعد؟ ينبغي أن يصبح: من يمتلك أعلى احتمالات النجاح في هذا التخصص؟
وهذا التحول لا يعني التخلي عن الدرجة الموزونة، فهي تظل أداة ضرورية لضمان العدالة الإجرائية، لكنها لا ينبغي أن تكون الأداة الوحيدة. فالجامعات العالمية الرائدة تتجه اليوم إلى نماذج قبول متعددة الأبعاد، تمزج بين التحصيل الأكاديمي، واختبارات الاستعداد، وقياس الميول المهنية، والتقييم الشخصي، والمرونة في الانتقال بين التخصصات بعد السنة الأولى، إدراكًا منها أن اختيار التخصص ليس حدثًا لحظيًا، بل عملية اكتشاف تدريجية. كما أن مفهوم العدالة في التعليم العالي لم يعد يعني مساواة الجميع في آلية التنافس، وإنما يعني منح كل طالب فرصة عادلة للوصول إلى البيئة التي يستطيع أن يحقق فيها أعلى قيمة ممكنة لنفسه ولمجتمعه. فهناك فرق جوهري بين عدالة الإجراءات وعدالة الفرص؛ الأولى تمنح الجميع قواعد متساوية، أما الثانية فتمكّن كل فرد من توظيف إمكاناته في المكان الأنسب لها.
إن الجامعات التي ستقود المستقبل ليست تلك التي ترفع الحدود الدنيا للقبول، بل تلك التي تنجح في بناء معادلة متوازنة بين قدرات الإنسان، واحتياجات الاقتصاد، ومتطلبات التخصص. فهذه العلاقة الثلاثية هي الأساس الحقيقي لتكوين رأس مال بشري قادر على المنافسة، وأكثر قدرة على الابتكار، وأعلى إنتاجية.
السؤال الذي ينبغي أن يشغل الأسرة، والجامعة، وصانع القرار هو: أين يستطيع هذا الإنسان أن يحقق أعظم أثر؟
فالأرقام قادرة على توزيع المقاعد، لكنها وحدها لا تصنع العلماء، ولا رواد الأعمال، ولا المبتكرين. أما عدالة الفرص، فهي التي تصنع الإنسان، وتصنع معه الاقتصاد، وتصنع في نهاية المطاف مستقبل الوطن.

د. ساير ساعد ساير الجعيد

استاذ التمويل والاستثمار المشارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى