لم يعد مضيق هرمز مجرد ممرّ بحري ضيق تعبره ناقلات النفط، بل أصبح من إحدى أكثر الساحات حساسية في المعادلة الخليجية، حيث تتقاطع حسابات الردع، والوساطة، والضغط الاقتصادي، وأمن الطاقة العالمي. ففي هذا الممر الحيوي تتشابك المصالح إلى حدّ يجعل أي تطور فيه قابلاً لأن ينعكس على الأسواق، وسلاسل الإمداد، وميزان الاستقرار الإقليمي برمته.
وفي قلب هذه المعادلة تقف سلطنة عُمان بما تمثله من قدرة هادئة على فتح القنوات وتخفيف التوتر، فيما تحاول إيران تثبيت حضورها في المضيق باعتباره ورقة استراتيجية لا يمكن تجاوزها، وتواصل الولايات المتحدة تشديد ضغوطها الاقتصادية والسياسية على طهران. وبين هذه الأطراف يبرز الدور السعودي بوصفه عنصر توازن حاسم، ليس فقط بحكم الثقل السياسي والاقتصادي للمملكة، بل أيضاً بحكم دبلوماسيتها الهادئة التي جعلت من التهدئة وخفض التصعيد نهجاً ثابتاً في مقاربتها لأمن الخليج.
هرمز كأداة ردع
منذ عقود، ارتبط مضيق هرمز في الوعي الاستراتيجي العالمي بوصفه عنق الزجاجة الأهم لتدفقات النفط والغاز. غير أن التطورات المتلاحقة أثبتت أن قيمة المضيق لم تعد تُقاس فقط بحجم ما يمر عبره من براميل، بل بما يمثله من أداة ردع مركبة توظفها إيران في إدارة صراعها مع خصومها.
فطهران لا تراهن على مواجهة بحرية مفتوحة، لأنها تدرك اختلال موازين القوة فيها، لكنها تعتمد على أساليب الردع غير المتماثل من الاستفزاز البحري، والتلويح بالألغام، واستخدام الزوارق السريعة، وخلق بيئة توتر كافية لرفع كلفة أي تصعيد. والغاية ليست إغلاق المضيق بالكامل، بقدر ما هي إبقاء احتمال التعطيل حاضراً في حسابات الأسواق وشركات الشحن وصانعي القرار.
غير أن هذه الورقة، مهما بدت مؤثرة، تظل سلاحاً ذا حدين. فكلما ارتفع منسوب التهديد في هرمز، ارتفعت في المقابل كلفة إيران السياسية والاقتصادية، وتزايدت حساسية الأسواق، واتسعت دائرة القلق من أن يتحول التوتر إلى عبء استراتيجي يضر بصاحبه قبل أن يصيب خصومه.
وساطة عُمان
في المقابل، تبرز سلطنة عُمان بوصفها الدولة الأكثر قدرة على التحرك في المساحة الرمادية بين الأطراف المتخاصمة. فمسقط لا تنظر إلى هرمز باعتباره ساحة نفوذ، ولكن باعتباره ممراً يجب صونه من الانفجار، وحمايته من التحول إلى أداة ابتزاز سياسي أو عسكري.
وقد رسخت عُمان خلال السنوات الماضية مكانتها كوسيط موثوق بين إيران والولايات المتحدة رغم ما لحق بها من ايران، مستفيدة من سياستها الخارجية المتوازنة، ومن قدرتها على الحفاظ على علاقات عمل مع الجميع دون الانخراط في محاور حادة. وتكتسب هذه الوساطة أهمية مضاعفة في ظل أي ترتيبات تتصل بالمضيق، سواء تعلقت بإدارة الملاحة، أو تقليص المخاطر، أو تنظيم التفاهمات الفنية المرتبطة بالأمن البحري.
لكن الدور العُماني، مهما بلغ من الحكمة والدقة، لا ينبغي أن يُقرأ بمعزل عن هواجس الخليج الأوسع. فكل تفاهم ثنائي بين مسقط وطهران حول المضيق يثير سؤالاً مشروعاً، يتمثل في مدى مساهمة هذا التفاهم في تثبيت الاستقرار، أم أنه سيفتح الباب أمام نفوذ إيراني أوسع في أهم ممر بحري في المنطقة؟
ولهذا، فإن القيمة الحقيقية لأي تفاهمات من هذا النوع لا تكمن في ثنائيتها، بل في قدرتها على أن تكون جزءاً من إطار أوسع يضمن ألا تتحول ترتيبات الملاحة إلى مسار مغلق على طرفين، بل إلى منظومة أكثر اتساعاً وشفافية، تأخذ في الحسبان مصالح دول الخليج كافة.
ضغط واشنطن
في الجهة الأخرى، تواصل الولايات المتحدة استخدام سلاح العقوبات والضغط الاقتصادي بأقصى طاقته في مواجهة إيران. ويشمل ذلك تشديد القيود المالية والمصرفية، وملاحقة شبكات الالتفاف على العقوبات، والتضييق على صادرات النفط، ومحاولة عزل طهران عن النظام المالي الدولي.
لكن هذا الضغط لا يبقى في المجال الاقتصادي وحده، بل ينعكس مباشرة على حسابات الأمن البحري في الخليج. فكلما اشتد الخناق على إيران، ازدادت أهمية هرمز في خطابها السياسي والأمني، باعتباره ورقة يمكن التلويح بها لرفع الكلفة على الخصوم.
وفي هذا السياق، تراهن واشنطن على أن تشديد العقوبات سيحد من قدرة إيران على تمويل أدوات الردع البحري وغيرها، ويدفعها إلى إعادة النظر في سلوكها الإقليمي. غير أن هذه المعادلة ليست مضمونة النتائج، لأن الممر البحري نفسه قد يتحول إلى وسيلة لإظهار قدرة طهران على الردّ غير المباشر، ولو من دون الوصول إلى إغلاق كامل أو مواجهة واسعة.

الدبلوماسية السعودية
وفي خضم هذه التوازنات المعقدة، يبرز الدور السعودي بوصفه أهم عناصر التهدئة في المعادلة الخليجية. فالمملكة لا تتعامل مع مضيق هرمز باعتباره ملفاً بحرياً منفصلاً، بل بوصفه جزءاً من أمن الخليج الشامل، ومنظومة الاستقرار السياسي والاقتصادي في المنطقة.
الدبلوماسية السعودية هنا لا تتحرك بمنطق رد الفعل، بل بمنطق صناعة التوازن. فهي تدرك أن الأمن المستدام لا يُبنى على التصعيد، ولا على الاستقطاب، ولا على إدارة الأزمات من فوق رؤوس الأطراف، بل على خفض التوتر، وتوسيع مساحات الحوار، ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهات مفتوحة لا يربح منها أحد. ومن هذا المنطلق، تكتسب الرياض موقعاً متقدماً في كل جهد يرمي إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالمضيق.
وتقوم المقاربة السعودية على ثلاث مرتكزات واضحة، أولها تثبيت الاستقرار بوصفه أولوية عليا تتقدم على منطق المغالبة. وثانيها دعم الحلول السياسية والدبلوماسية كلما أمكن، بدل الانجرار إلى منطق التصعيد. وثالثها الإسهام في بناء بيئة إقليمية أكثر توازناً، تمنع استخدام الممرات البحرية كأداة ضغط متبادل أو وسيلة لإعادة إنتاج الأزمات.
كما أن ثقل السعودية السياسي والاقتصادي يمنحها قدرة خاصة على التأثير في مسار التهدئة. فالمملكة ليست طرفاً هامشياً في المعادلة الخليجية، بل قوة مركزية في أمن الطاقة، وفي استقرار الأسواق، وفي تشكيل المواقف العربية والخليجية تجاه القضايا الكبرى. ولهذا، فإن صوتها يُعدّ صوتاً مؤثراً عندما يتعلق الأمر بمنع التصعيد، وفتح المسارات السياسية، وصياغة قواعد أكثر عقلانية لإدارة التوتر.
والأهم من ذلك أن الدبلوماسية السعودية لا تكتفي بإطفاء الحرائق بعد اشتعالها، بل تسعى إلى منع اشتعالها أصلاً. وهذه هي النقطة الفارقة في مقاربتها؛ إذ إن التهدئة بالنسبة إلى الرياض ليست إجراءً ظرفياً، بل خياراً استراتيجياً طويل النفس، يهدف إلى حفظ استقرار الخليج، وصون أمن الطاقة، وتقليل فرص الانزلاق إلى مواجهات تُستنزف فيها المنطقة من دون طائل.
الخليج بين الاحتواء والإشراك
تكشف أزمة هرمز، في جوهرها، حدود المنطق القديم الذي قام على الاحتواء وحده. فالمراهنة على عزل إيران بالكامل لم تنتج أمناً مستداماً، كما أن الاعتماد المفرط على القوى الخارجية لم ينهِ التوتر، بل أعاد إنتاجه بأشكال مختلفة. ولهذا، تتزايد الحاجة إلى مقاربة أكثر نضجاً تقوم على إشراك الجميع ضمن قواعد واضحة، تحفظ حرية الملاحة، وتحترم السيادة، وتمنع استخدام الوكلاء أو التهديد البحري كوسيلة لتحقيق مكاسب سياسية.
ومن هذه الزاوية، لا يبدو أمن هرمز منفصلاً عن أمن الخليج ككل. فالمضيق يرتبط بالمحيط الأوسع الذي يمتد من الخليج العربي إلى باب المندب والبحر الأحمر، وتنعكس أي اضطرابات فيه على حركة التجارة وأسعار الطاقة وشحن البضائع والتأمين البحري. ولذلك، فإن أي ترتيبات ناجحة لا بد أن تكون متعددة الأطراف، لا ثنائية مغلقة، وأن تستند إلى رؤية إقليمية تتجاوز منطق الأزمة المؤقتة إلى منطق البناء طويل الأمد.
وهنا تحديداً تتجلى أهمية الدور السعودي؛ فالمملكة تمتلك القدرة على ربط الأمن البحري بالمقاربة السياسية، وربط التهدئة بالحوار، وربط الاستقرار بمشروع إقليمي أوسع لا يُقصي أحداً ولا يمنح أحداً حق الوصاية على الممرات الحيوية. بهذا المعنى، تصبح السعودية ليست مجرد طرف في المعادلة، بل ركناً رئيساً في صياغة قواعدها المقبلة.
هل تتغير القواعد؟
السؤال الأهم اليوم هو (هل تتغير قواعد اللعبة فعلاً، أم أننا أمام جولة جديدة من إدارة الأزمة بوسائل مختلفة؟) والأرجح أن القواعد لم تتبدل جذرياً بعد، لكنها لم تعد ثابتة كما كانت. فالمضيق لا يزال ورقة ضغط، غير أن فعاليته باتت مشروطة بتوازنات أشد تعقيداً، وبقدرة الأطراف على تحمل كلفة التوتر أو تحويله إلى مسار تفاوضي.
وتبدو أمام المنطقة ثلاث مسارات رئيسية: استمرار إدارة الأزمة من دون حلول جذرية، أو الانزلاق نحو مزيد من التصعيد البحري والاقتصادي، أو استثمار اللحظة الراهنة في بناء إطار إقليمي أوسع للأمن البحري، يضمن حرية الملاحة ويخفف من منطق الاستقطاب. وفي هذا المسار الأخير تحديداً، تظهر أهمية الدور السعودي إلى جانب عُمان وبقية دول الخليج، في الانتقال من موقع المتأثر بالتطورات إلى موقع المشارك في صياغة القواعد.
ختاماً..
إن مضيق هرمز اليوم ليس مجرد ممر مائي، بل مساحة تتكثف فيها معادلات الردع، والوساطة، والضغط، وإعادة تعريف الأمن الإقليمي. فإيران تحاول أن تجعل من الجغرافيا أداة قوة، وعُمان تسعى إلى تحويلها إلى مساحة تهدئة وضبط، بينما تمضي واشنطن في استخدام الضغط الاقتصادي لإعادة تشكيل سلوك طهران.
لكن المعركة الحقيقية لا تدور فقط حول من يملك الورقة الأقوى، بل حول من يستطيع أن يحول هذا التوتر إلى قاعدة أكثر استقراراً. ومن هنا، فإن مستقبل هرمز لا يُحسم بالتهديد وحده، ولا بالعقوبات وحدها، ولا بالوساطات الثنائية وحدها، بل برؤية إقليمية واسعة، يكون للدبلوماسية السعودية فيها دور محوري، بوصفها قوة تهدئة، وصاحبة مصلحة مباشرة في حماية الاستقرار البحري والاقتصادي، وطرفاً قادراً على تحويل خفض التصعيد من شعار سياسي إلى نهج إقليمي راسخ.

