المقالات

“حديث العمر” ..حكايات من الزمن الجميل

«حديث العمر» كتاب صغير في حجمه وعدد صفحاته، ولكنه كبير في محتواه. يشرف علينا كاتبه الزميل الأستاذ حسن عطاالله العمري من موقع الراوي لمجريات الحياة والناس من حوله، ويستخرج الذكريات من الأمكنة التي عاش بها والناس الذين عرفهم.

يقول في بدايته: «هذا كتابي (حديث العمر) الذي يحتوي على مجموعة مقالات، عبارة عن خليط بين ذكريات الطفولة بكل صورها البريئة وذكرياتها الجميلة التي داعبت فكري وظني، وإضاءات من مراحل عمري».

وفي مقدمته يأتي إهداؤه الجميل: «إلى والدي.. معلمي الأول، المربي الفاضل، الذي تعلمت منه معنى الحب، وكان بحر العطاء الذي لا ينفد ولا ينضب.. وإلى أمي الغالية، أكسجين الحياة الذي كنت ولا أزال أتنفسه، فهي واحتي الغناء وغذاء روحي وحديث شفتي.. وإلى زوجتي رفيقة دربي وعمري وسعادة دنياي، وإلى كل أبنائي وابنتي الوحيدة، فهم ضياء حياتي وجنة عمري وراحتي وهناي وشمس نهاري والنجوم الساطعة في سماي».

ومع صفحات الكتاب نطوف معه عبر مسيرة ممتدة حافلة بالعمل والعطاء، وسيرة حسنة تعبق بالمحبة والنبل، ويرسم لنا من خلالها لوحات تشكلت من ذكريات رسخت في أعماقه، وتكونت عبر السنين من أحاسيس ومشاعر مخبوءة في الوجدان لا يمحوها الزمن، تمنح صاحبها الدفء والأمل كلما غدا إليها لترميم روحه من صخب الحياة.

ويأخذنا معه إلى تفاصيل أيام مضت، ولكن أثرها لا يزول.

يكتب في حرص واهتمام، ويروي حكايات أغلبها قصيرة، تنساب تفاصيلها في هدوء، ونحن ننتقل معه من حكاية إلى أخرى.

وفي أول لوحة من لوحات الكتاب يرسم لنا صورة بلا رتوش عن «ريع الكحل»، أحد أحياء أم القرى، الحي الذي ولد فيه ونشأ في جنباته، والذي يتميز بقربه من الحرم المكي الشريف، ويعتبر شريانًا لأحياء مكة القديمة. ويتكون من أكثر من حارة أو حي، ويتميز بتعدد الثقافات لاندماج أهله مع حجاج بيت الله الحرام والعمل معهم.

ومنها ينتقل للحديث عن والده الشيخ عطاالله بن صالح العمري، الذي جاء من قريته إلى مكة المكرمة، حيث بدأ العمل كاتبًا للمعاريض أمام إحدى الدوائر الحكومية، حريصًا على حضور الدروس الدينية التي يعقدها علماء الحرم المكي الشريف من بعد صلاة العصر وحتى صلاة العشاء. ثم تتاح له الفرصة للالتحاق بدار التوحيد في الطائف، أول مدرسة سعودية نظامية لمرحلتي المتوسطة والثانوية، أمر بإنشائها الملك عبدالعزيز -رحمه الله- عام 1945م. وبعد تخرجه منها التحق بسلك التعليم لأكثر من أربعين عامًا، بدأها مدرسًا ثم وكيلًا ومديرًا.

وفيما تلا من سطوره يبدو الأستاذ حسن العمري في أحسن حالاته من الصفاء والشاعرية وهو يسرد ذكرياته، يقول:

«انتقلت أسرتي الصغيرة من مكة إلى جدة، أخذت أفكر وأتخيل الحياة الجديدة التي تنتظرني، وأنا قابع في المقعد الخلفي في سيارة الفولكس واجن الصغيرة التي كان يقودها أبي، ويردد على مسامعي بعض الكسرات الشعرية من التراث الشعبي الجميل، لا يزال صداها يرن في أذني حتى الآن، وأشعر بنفس الإحساس الجميل الذي لا يزال ينتابني حينًا بعد حين، وكانت بعض كلماتها مثل:

يا سيد هيا معي قربان
مربى الضبى والقماري فيه
والورد في دياركم عطشان
يا سيد هيا معي نسقيه

وحلفت لا أروح للطايف
وأجيب لأهل الهوى تفاح
ماني حرامي ولا خايف
ومن جرب الود ما يرتاح

وجيبوا طبيب الهوى جيبوه
خليه يكشف على جرحي الخافي
وأعطوه ما يتمنى وأرضوه
من قبل ما منيتي تافي

كلمات رائعة تحمل معاني الوله والحب والعواطف والحنان والأشواق المشتعلة والجياشة».

«كانت بداية انتقالنا من مكة إلى جدة بداية مشجعة؛ حيث وجدت في المنزل الجديد الكهرباء والثلاجة والغرف الواسعة وشجرة ياسمين كانت تتوسط منزلنا الكبير، وتملأه عبقًا وأنفاسًا عطرة ورائحة زكية تنعش القلب والروح.

الله، كم كانت لهذه الشجرة الفاتنة من ذكريات عزيزة على قلبي! أصحو على رائحة الياسمين، وأنام على رائحة الياسمين، وأقطف كل يوم ياسمينة جميلة بيضاء أهديها للمحبين.

ومن حسن حظي أن جدتي -رحمها الله- تسكن معنا في نفس المنزل، حيث كانت نعم السند بعد الله من غضب وعقاب أبي، والمحامية التي لا يستطيع والدي أن يكسر كلمتها أو شفاعتها.

وكم كان يحلو لي أن أزورها في غرفتها، وهي تجهز شاي العصرية على طباخة خضراء اللون، وتضع تلقيمة شاهي مثالية من العطرة والورد والنعناع، لم أشرب شايًا مثله أبدًا في حياتي في مختلف دول الكرة الأرضية.

وحين يحل المساء نجتمع حولها أطفالًا فرحين سعداء مبسوطين؛ لنستمع إليها وهي تقص علينا قصصًا جميلة عن رعي الأغنام فوق الجبال، وجلب المياه من الآبار، وأخرى حزينة وموجعة عن عدد من أبنائها الذين توفاهم الله بسبب أمراض لم تكن تعرف أسبابها ولا كيفية علاجها».

«أدخلني والدي المدرسة الابتدائية في حي السبيل بالقرب من قصر خزام، ذلك القصر الجميل.

وكان يحلو لي أن أتجول داخل أسواره، وأقطف زهرة من أجمل أزهاره، وأرمي بجسدي الصغير على أرضه وتحت سمائه، وأتسلق في فرح وشقاوة جدرانه وأشجاره، وأراجع دروسي في أحد أركانه التي تبعث على البهجة والسرور وراحة البال، وتعيد للعقل نشاطه وصفاءه.

أذكر أيضًا مدرس العلوم الذي كان يدرسنا، ويحرص على التطبيق العملي لتبسيط المنهج، وكانت المدرسة تنفذ معرضًا سنويًا يجسد نشاطات الطلبة والمواضيع التي ندرسها».

«ولا أزال أتذكر أيضًا في تلك المرحلة المبكرة من طفولتي لعبة (الكنفة)، وكيف كنا نقضي ساعات في انتظار عصفور نصطاده حين تطبق عليه الصفيحة التي نسرع بسحب العمود الذي ترتكز عليه، بمجرد أن يدخل العصفور مطمئنًا تحتها ليشرب من الماء الذي وضعناه، ويأكل من الحبوب التي نثرناها داخلها.

واستمتاع أبناء جيلي بالطائرات الورقية التي نعملها بأنفسنا من ورق خاص وأعواد خفيفة مقوسة، ومن فوق سطح بيتنا الشعبي كنا نطلقها ونغني في براءة الأطفال: يا طيارة طيري يا ورق وخيطان، وترد علينا طفلة من السطح الآخر مكملة المقطع: بدي أرجع بنت صغيرة على سطح الجيران، ونضحك سويًا في سعادة غامرة تطرب لها الجدران.

وكانت طائرتي الورقية تطير وتنطلق مسافة بعيدة، وكلما أخذها الريح إلى اتجاه اتجهت معها، حتى إنه كان يخيل لي أني أطير معها، وأكاد ألحق بها، وأرتفع إلى أجوائها العالية.

وكانت السينما موجودة ومنتشرة في حواري جدة وأحواشها الداخلية، وسعر التذكرة لم يكن يتجاوز ريالات معدودة، وكنا نستمتع بالدخول إليها. سقفنا كان السماء، والكراسي من حديد تكسر الظهر من صلابتها، لا مكيفات ولا مؤثرات صوتية، لا شيء أبدًا سوى شخص يقف عند باب الحوش يستلم النقود، وشخص فوق سقف المدخل في غرفة صغيرة يعرض الفيلم، وقد يتعطل عدة مرات.

ثم تطور الأمر، وأصبحنا نذهب إلى صالة السينما الوحيدة المكيفة في فنادق العطاس بمنطقة (أبحر).

وكان التلفزيون السعودي في ذلك الوقت تسليتنا الوحيدة، ويعرض أغاني أم كلثوم وكبار الفنانين في أمسيات فنية جميلة ورائعة، تتجمع الأسرة حولها في استمتاع وفرح كبير، وترقب لموعد البث كل ليلة خميس.

ومن أجمل الذكريات كانت زيارتنا الأسبوعية عصر الجمعة مع الأهل والأحباب إلى بحر جدة، ولم يكن هناك كورنيش نستطيع الجلوس والاستمتاع فيه بالبحر، بل منطقة عالية تسمى (قبة عشرة)، لا أعرف حقيقة سر هذه التسمية، ولكنها كانت عبارة عن تل مرتفع يطل على البحر من بعيد، يجلس الناس على مرتفعاته ويستمتعون بهواء عليل ومنظر بحري جميل».

وبعد، فإن في صفحات الكتاب العديد من الذكريات والحكايات التي تروى، ولعلنا نعود إليها في مقال آخر.

حفظ الله أخانا العزيز حسن عطاالله العمري، وأمده بالصحة والعافية والشفاء العاجل، ليعود إلينا وإلى أسرته سالمًا معافى.

كتاب حديث العمر

عبدالعزيز التميمي

قاص - كبير مديري العلاقات الإعلامية في الخطوط السعودية سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى