في كثير من الأحيان أزور بعض أصدقائي، ولكني ألمح في وجوههم عدم الارتياح أو أنهم يعانون من مشكلات أو أزمات معينة داخل بيوتهم، بل إن بعضهم قد لا يمكث في بيته طويلاً، وفي المقابل أجد البعض الآخر مشرق الوجه مبتسم الثغر ومنطلقاً بحماس لبث روح البهجة والسرور. مما ينبئ عن أزمةً حقيقيةً تعيشها بعض بيوتنا، ويطرح سؤالاً عميقاً لماذا تحدث مثل تلك المفارقات في بعض البيوت؟ حيث يتحول (البيت) من (مأوى ومودة) إلى (سجنٍ مفتوح) أو (ساحةِ حربٍ باردة)، فيصبحُ العملُ مهرباً، والتأخيرُ في الخارجِ راحةً، والصمت في السيارة قبل الدخولِ هو اللحظة الأجمل في اليوم. لكن هل هذه تعد سمة بارزة لكثير من بيوتنا؟ كلا، وألفَ كلا. وفي تعميمَ هذه الفكرةِ ظلم فادح لبيوت عديدة لا تزال تنبض بالحياة، وتشرقُ بالحب. هناك بيوت مطمئنة حينَ يقترب منها صاحبها، يخفقُ قلبه شوقاً، وتسرُعُ خطاهُ اشتياقاً، وتسابقه إطارات سيارته إلى هناك. بيوتٌ لا تُقاس بجدرانها، بل بما في داخلها من سكينة ومودة، حيث الهدوءُ لا يعني الفراغ، بل يعني الراحةَ من ضجيجِ العالم. احترام متبادل حيث الكلمة الطيبة هي سيد الموقف، والابتسامة هي التحية الدائمة. شراكة حقيقية حيثُ يتقاسم الجميع الأحلام، ويخففون عن بعضهم أثقالَ الحياة، ويعيشون لحظات لا يمكن نسيانها.
في هذه البيوتِ، لا يحتاج الإنسان إلى اختلاق عذر للتأخير، بل ربما يحتاج إلى عذر للخروج! لأن شحنتهَ الروحيةَ والنفسيةَ قد تم ملؤُها بمجرد عبور عتبة الباب. فالبيوت ليس سِجناً ولا فندقاً فقد يحتاج الإنسان إلى التغيير بين وقت وآخر، وتجديد المزاج، والخروجِ من روتينِ الجدران، فالنفسُ ملولةٌ بطبيعتها، والإنسان اجتماعي بطبعه، لكن الفرق كبيرٌ بين (خروج للتجديد) و(هروب من الجحيم). وفي الواقع فإن المشكلة ليست في الزواج أو في البيوت بحد ذاتها، بل في (كيف نبني بيوتنا؟).
تلك البيوت التي يفر منها أصحابها، غالباً ما تعاني من:
* ارتفاعِ الأصواتِ بدلاً من حوارِ العقلاء وغلبة التفاصيل التافهة على النقاش.
* غياب التفاهم وسيطرة الأنانية.
* الفوضى المنزليةِ المربكةِ التي تجعلُ من البيتِ عبئاً لا ملاذاً.
ولذلك إذا أردنا أن تكون بيوتنا مثل المغناطيس الذي يجذبنا بقوة ولا طارداً ينفرنا ويبعدنا، فلنعلم أن الأساسَ ليس في الدهانات الفاخرة أو الأثاث الباهظ، بل في (المادة العاطفية) التي تُبنى بها الجدران، والقلوب التي بداخلها، والجو العام الذي يحرص كل من الزوجين على إيجاده.
فالبيت الهادئ هو الذي يشعر فيه الفرد بأنه (نفسه) دون أقنعة، حيث يُقبل عليه أطفاله بشغف، ويتباد كل من الشريكين كل معاني المودةَ والدفء. في مثلِ هذه البيوت، يكونُ العمل واجباً، لكن العودة للبيت هي (الحقيقةُ والهدف).
فلنحرصْ جميعاً على أن نكونَ سبباً في جعلِ بيوتنا واحةً، لا سبباً في جعلها منفى. وليكنُ شغلي الشاغل: كيف أجعل أهلي يشتاقونَ لعودتي، كما أشتاقُ أنا للعودة إليهم؟
وليكن نصب أعيننا أنه في زحمة الحياة وضغوطها يظل البيت هو الملاذ حين يكون كلا من الزوجين سنداً وحضناً دافئاً لبعضهما ولأفراد الأسرة مما ينعكس على استقرار الأسرة وعطائها، وشعورها بالسعادة وراحة البال والطمأنينة.

