قد يمرّ الإنسان في حياته بمواقف يظن أن أبوابها قد أُغلقت، وأن ما يتمناه أصبح بعيدًا، وأن بعض الأقدار لا سبيل إلى تغييرها. لكنه قد يغفل عن سبب عظيم جعله الله بابًا للخير ودفع المكروه، ألا وهو الدعاء.
فالدعاء ليس مجرد كلمات يرددها الإنسان، بل عبادةٌ عظيمة، وسبب من أقوى أسباب دفع المكروه وحصول المطلوب، متى صدق القلب مع الله، وأحسن الظن به، وأقبل عليه بيقين.
ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه الداء والدواء: «الدعاء، فإنه من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب»، ثم يبيّن أن أثر الدعاء قد يتخلّف لأسباب، منها ضعف الدعاء نفسه، أو ضعف إقبال القلب على الله، أو وجود موانع تحول دون الإجابة؛ كأكل الحرام والظلم والغفلة.
وهنا يتضح أن الدعاء لا يقوم على مجرد النطق بالكلمات، بل يحتاج إلى قلب حاضر، ويقين بالله، وإخلاص في الطلب، مع الأخذ بالأسباب التي أمر الله بها.
وقد جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاهٍ».
فما أجمل أن يرفع الإنسان يديه إلى الله وهو يعلم أن خزائن الله لا تنفد، وأن ما عجز عنه البشر لا يعجز عنه رب البشر.
وليس معنى الدعاء أن يتوقف الإنسان عن العمل أو يأخذ بالأسباب، بل إن المؤمن يجمع بين الأمرين: يسعى بما يستطيع، ويدعو بما يرجو؛ فإذا ضاقت به الأسباب، لم يضق به باب الله.
وقد ورد في الحديث عن ثوبان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر».
والدعاء في حقيقته يعلّم الإنسان ألا يستسلم لليأس، وألا يجعل الواقع نهاية للأمل؛ فكم من أمر ظنه الإنسان مستحيلًا، فتح الله له فيه بابًا لم يكن في حسبانه.
قد لا تأتي الإجابة بالطريقة التي رسمناها، وقد يتأخر ما نطلبه لحكمة لا نعلمها، وقد يُصرف عنّا من البلاء ما لا نشعر به. لكن المؤمن يظل على يقين بأن دعاءه عند الله لا يضيع.
لذلك، حين تضيق بك الحياة، لا تجعل الدعاء آخر ما تلجأ إليه، بل اجعله من أول أبوابك.
اسعَ، وخذ بالأسباب، ثم ارفع يديك إلى السماء؛ فما خاب من طرق باب الله بيقين