المقالات

حين يُكرَّم المعلّم… تُكرَّم أجيال

تُروى قصة شهيرة عن المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل، مفادها أنها، بعد تولّيها منصب المستشارة، اهتمّت برفع رواتب المعلمين، باعتبارهم من أهم الفئات التي تصنع مستقبل المجتمع وتبني الإنسان قبل أن تبني المهن والتخصصات.

وعندما طالبت فئات مهنية أخرى، كالأطباء والمهندسين والمحامين وغيرهم، بزيادة رواتبهم أسوةً بالمعلمين، نُسب إلى ميركل ردٌّ بليغ اشتهر على نطاق واسع: «هل أساويكم بمن علّموكم؟».

وسواء أكانت هذه العبارة قد قيلت حرفياً أم أنها صيغت لاحقاً للتعبير عن الفكرة، فإن معناها يحمل رسالة عميقة: فالمعلّم ليس موظفاً يؤدي مهمة تعليمية فحسب، بل هو الإنسان الذي يضع اللبنات الأولى في تكوين الطبيب والمهندس والمحامي والعالِم والقائد، ويغرس فيهم المعرفة والقيم والانضباط والقدرة على التفكير.

فكل طبيبٍ وراءه معلّم علّمه القراءة والكتابة، ثم علّمه كيف يسأل ويبحث ويفكر. وكل مهندسٍ بدأ حياته طالباً أمام معلّم، وكل عالمٍ حمل يوماً كتابه الأول على يدي معلم، وكل إنسان ناجح مرّ في طريقه بشخصٍ فتح له باباً من أبواب المعرفة.

إن قيمة المعلم لا تُقاس بعدد الساعات التي يقضيها في الفصل، ولا بحجم راتبه وحده، وإنما بما يتركه في عقول طلابه وضمائرهم من أثر قد يمتد لعشرات السنين. وقد ينسى الطالب كثيراً مما تعلمه، لكنه نادراً ما ينسى معلماً آمن بقدراته، أو كلمةً طيبةً رفعت معنوياته، أو موقفاً غيّر نظرته إلى نفسه وإلى الحياة.

ولهذا فإن الاستثمار في المعلم ليس إنفاقاً على وظيفة، بل استثمار في الإنسان وفي مستقبل الوطن. فحين نُحسن اختيار المعلم وتأهيله، ونمنحه المكانة التي يستحقها، ونوفر له بيئة عمل كريمة، فإننا في الحقيقة نرفع جودة الأجيال القادمة كلها.

المعلم هو صانع البدايات، وباني العقول، ومهندس الإنسان. ومن يكرّم المعلم لا يكرّم فرداً واحداً؛ بل يكرّم الطبيب الذي سيعالج، والمهندس الذي سيبني، والعالِم الذي سيكتشف، والقائد الذي سيتحمّل المسؤولية، وكل جيلٍ سيأتي بعدهم.

ولذلك يبقى السؤال الأجدر بالتأمل: إذا كنا نحتفي بكل المهن التي تخدم المجتمع، أفلا يجدر بنا أن نحتفي أكثر بمن علّم أصحابها كيف يقرؤون العالم، وكيف يفكرون، وكيف يصنعون المستقبل؟

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى