حين أتابع باهتمام ذلك الاستنفار الدولي حول مخاطر الذكاء الاصطناعي، وتسابق العالم بكل ثقله الدبلوماسي والتشريعي لحماية الحدود والأمن القومي المادي والأنظمة الدفاعية من مارد التقنية المنفلت.. يتملّكني شعور القلق بالخطر الذي لم يثير مخاوفهم. لقد استشعروا هذه المخاطر رسمياً؛ فحذّر الأمين العام للأمم المتحدة بأن “الاستخدامات المنفلتة للذكاء الاصطناعي تشكل تهديداً وجودياً للبشرية يوازي مخاطر الحرب النووية”، مطالباً بإنشاء هيئة دولية ناظمة تشبه “الوكالة الدولية للطاقة الذرية”، وشهدت “قمة باريس للذكاء الاصطناعي” توقيع نحو 60 دولة على إعلان يفرض التنمية المرتكزة على البشرية.
ولكن المفارقة الصادمة أن هذا التحرك الرسمي استنفر حصراً لحماية الأمن المادي والمنظومات العسكرية والسيادية، بينما تساهلت تلك الدول ورفضت بعضها القيود خوفاً على القطاع التجاري. لقد استشعروا الخطر الأمني المادي، وتجاهلوا الخطر الأعظم: الخوارزميات التي تهدد أمن سيادة الوعي والإدراك الإنساني، أو ما أسميه بـ “السيادة العصبية الإدراكية” للعقل البشري.
وهذا ما يقودني لأطرح السؤال الذي ربما يحرج المجتمع الدولي بأسره: كيف يغفل الجميع عن أشرس حرب صامتة تستهدف العقل البشري، والوعي الجمعي، والذاكرة؟
نحن في مواجهة هجمات إدراكية ممنهجة تعتمد على “التوصية الفائقة” لتغذية الدوبامين، وفرض تبعية سلوكية قسرية تُنهك التفكير النقدي، وتصيب العقل البشري بـ “الضمور المعرفي الرقمي”. وتماماً كما أقام العالم منظمات صارمة لحماية الأغذية والأبدان، يقف العالم اليوم مُتبلداً بلا هيئة تحمي “غذاء العقول” و”الأمن السيبراني الإدراكي”.
إن التغاضي عن هذا النموذج التجاري هو نسف كامل لغد الإنسانية واقتصادها المعرفي. فحين يتربى جيل كامل على الخمول الإدراكي، تصبح كل الأحاديث الأممية عن حقوق الإنسان مجرد شعارات فارغة بلا “وعي بشري مستقل” قادر على استيعابها والدفاع عنها.
من هنا، فإنني أتطلع برجاء وأمل في الأمم المتحدة ومفوضية حقوق الإنسان لتمديد مظلة حمايتها لتشمل الأمن النفسي والعصبي للجنس البشري، وحماية “السيادة العصبية الإدراكية” عبر إقرار “المعاهدة الدولية لحماية السلامة المعرفية البشرية” المرتكزة على ثلاثة محاور سيادية:
1. حظر التلاعب السلوكي والتزييف العميق: وتجريم الأنظمة المستغلة لهشاشة البشر والأطفال.
2. ضبط الزمن الإدراكي: وإلزام الشركات بإتاحة خيار “تعطيل الخوارزميات الموجهة” بضغطة زر كحق إنساني أساسي.
3. الرقابة الدولية الفعّالة: وتأسيس “هيئة للطاقة المعرفية” لفحص وفضح هذه النماذج الخوارزمية.
ويبقى السؤال الاستراتيجي الأهم والأخطر معلقاً أمام الأمانة العامة للأمم المتحدة: ما مصير سلامة العقول التي تدير مهام حقوق الإنسان ومنظمات الأمم المتحدة مستقبلاً، وما قيمة شعاراتنا، إذا تركنا الوعي الإدراكي يتفتت وتم اغتيال عقول البشر.. هل سنرى قريباً منظمات خوارزمية ذكية تدير العالم على ركام عقول بشرية معطلة؟

