المقالات

هل الشنق الاقتصادي سيقود ايران للانهيار

لن تتجه الولايات المتحدة إلى تحويل العمليات العسكرية إلى حرب شاملة وهي مقبلة على انتخابات نصفية 3 نوفمبر 2026 باعتبارها مهمة لأن الديمقراطيون يريدون الاستيلاء على صنع القرار في الكونغرس، لكن تلجأ أمريكا في الدفع باستراتيجية الانهيار الاقتصادي، وتتبع استراتيجية الشنق الاقتصادي، وليس فقط الخنق، إلى جانب القيام بعمليات عسكرية دورية محدودة، ولكنها موجعة، خصوصا إذا هددت إيران السفن التي تعبر مضيق هرمز، لكن الجيش الأمريكي يرافق السفن التجارية، ففي يوم 1/9/2026 رافقت 40 سفينة تحمل 18 مليون برميل من النفط مسجلة بذلك رقما قياسيا في زمن الحرب، لتجنب صدمة أسعار النفط، أو انهيار اقتصادي عالمي، رغم ذلك سعر جالون البنزين في الولايات المتحدة 4.14 دولارا للغالون مقارنة ب3.19 دولارا للغالون قبل الحرب، وانخفضت احتياطيات النفط الاستراتيجي الأمريكي إلى أدنى مستوى له منذ عام 1983.
لا يرغب الطرفان العودة إلى حرب شاملة، لكن تعطيل إيران لحركة الملاحة في مضيق هرمز والضغط الاقتصادي الأمريكي عليها يصبحان غير قابلين للاستمرار بالنسبة لكلا الطرفين، لكن ترمب غير مكترث الآن بإيران ويعتبر موقف أمريكا الان أكثر بكثير، لكن مقابل ذلك تضيق أمريكا الخناق على اقتصاد إيران المنهك في ظل سعيها الحثيث بيع نفطها، وتشعر إيران أن استسلامها يقود إلى سقوط النظام، لذلك تفضل الرد بدلا من الاستسلام.
وعندما تتجنب أمريكا التصعيد العسكري، وحصر الصراع في المجال الاقتصادي، فإن إيران تنتهج استراتيجية معاكسة، وتتحدى الجهود الأمريكية في فرض واقع جديد في المضيق، وعندما طالب الرئيس الإيراني مسعود بزشيكيان على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون في قيرغيزستان في 1/9/2026 بقوله إنه إذا عادت الولايات المتحدة إلى التزاماتها بموجب مذكرة التفاهم المذكورة التي انتهت صلاحيتها في يونيو 2026، فإن الجمهورية الإسلامية سترد بالمثل، وستتجنب هي الأخرى التصعيد، مع تجنب استهداف حاملات الطائرات الأمريكية، لكن كان رد ترمب أنه راض عن الموقف الحالي، وقال نحن نسيطر سيطرة كاملة على مضيق هرمز، بينما ينهار اقتصادهم تماما.
الإدارة الأمريكية تشعر بالرضا حاليا عن وجود نوع من الاستقرار، استمرار الحصار مع السماح باستهداف دوري لقدرة إيران على تعطيل الملاحة في المضيق، إلى أن تخفض إيران سقف مطالبها للتوصل إلى حل سياسي مع ترمب، بدلا من انتظارها من الولايات المتحدة تنازلات، حينما ربط المسؤولون الإيرانيون إعادة فتح مضيق هرمز بوقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان كما في مذكرة التفاهم أو في هوامشها التي أزعجت دول المنطقة في حينها، حتى ان البعض اعتبرها بمثابة الاتفاق النووي 5+1 في عهد أوباما 2015، يبدو ان حزب الله بالنسبة لإيران ليس قوة عسكرية على حدود إسرائيل، فهذه الجماعة هي في الوقت نفسه جزء من أوراق الضغط التفاوضية لطهران، ورمز لمصداقية إيران إقليميا، وعنصر مهم في السياسة الخارجية الإيرانية، باعتبار أنها ترتبط بنفوذ إيران الإقليمي، ومصداقية شبكة حلفائها، وأن تبقى الحرب خارج أراضيها، لكن اليوم أصبحت الحرب داخل أراضيها، وهي حاليا تدفع فاتورة أرادته سورا يحميها، حتى أن البعض اتهم ترمب بأن طهران فرضت بعض مطالبها على المسار الدبلوماسي، واعتبر ترمب تراجع كثيرا أمام طهران.
لكن الضغط الاقتصادي نجاحه مرهون أيضا بالصين وروسيا والعديد من الدول الأخرى التي تربطها علاقات تجارية بإيران لن تدعم العقوبات الأمريكية الأحادية.
لذلك يبدو ان زيارة مبعوثا الرئيس ترمب جاريد كوشنر وستيف ويتكوف إلى موسكو ولقاؤهما بالرئيس الروسي بوتين تتركز بشكل أساسي ومباشر على إحياء مفاوضات السلام لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، أسفرت الزيارة عن هدنة تكتيكية مؤقتة تتمثل في وقف متبادل للضربات الجوية على عاصمتي البلدين موسكو وكييف لمدة ثلاثة أيام لتأمين تحركات الوفد الأمريكي، فالإدارة الأمريكية منخرطة في جهود موازية لإيقاف التصعيد والتوترات العسكرية في الشرق الأوسط مع إيران، لن تجرؤ روسيا على دعم إيران بشكل كبير وواضح يعزز قدرات إيران العسكرية أو الاقتصادية، وملفها مع أوكرانيا في يد ترمب، حتى الصين لديها مصالح كبرى وترابط اقتصادي مع أمريكا وأوروبا ودول الخليج وعلى رأسهم السعودية لا يمكن أن تفرط في مثل هذه المصالح، وفي نفس الوقت قد تمسك العصا من النصف حفاظا على مكانتها كقوة كبرى لا تستجيب لضغوط دول كبرى أخرى.
بل نجد خلال لقاء مبعوثي ترمب أثناء لقاءهما بوتين ناقشوا ملفات اقتصادية ومشاريع مشتركة محتملة بين روسيا وأمريكا إلى جانب قضايا مثل رفع العقوبات والأموال الروسية المجمدة، فالدول الكبرى تبحث عن مصالحها وتلتقي مصالحهما ببعضهما أكثر من مصالحهما بدول إقليمية مأزومة مثل إيران.
إيران تتآكل قوتها وقدرتها على التفاوض خصوصا بعد القضاء على أذرعها في المنطقة، فحزب الله كان قوة قبل حرب غزة، ولم تهاجم إسرائيل إيران إلا بعد القضاء على قوة حزب الله خلال العامين الماضيين، وتدمير بنيته العسكرية، ولم يعد يمتلك قوة الردع السابقة، خصوصا بعد التطورات الأخيرة في سوريا التي قطعت جزءا من هذه السلسلة أدت إلى استخدام نموذج فاعلية الردع بالحرمان في استراتيجية إيران، ودفعت إلى اعتماد نوع آخر من الردع بالعقاب، وفي السنوات الأخيرة تغير هذين النوعين من الردع بعد اضعاف قدرات حزب الله، أصبحت القدرات الصاروخية والمسيرة لإيران تؤدي دورا بارزا في الردع بالعقاب بعدما كان يقوم به حزب الله نيابة عن إيران، أي تقلصت قدرات الأذرع الخارجية التي كانت ساحة حروب نيابة عن إيران.
ولا زالت إيران تنظر إلى الحوثيين كأداة ضغط إيرانية، وفاعلا محليا يسعى إلى تثبيت موقعه داخل محور المقاومة، وتهديدا بحريا، شكل قلقا لدى إسرائيل أن يبقى خارج أي تفاهمات أمريكية إيرانية محتملة، ومن تحول باب المندب إلى ورقة موازية لمضيق هرمز، وكانت إيران تتهيأ لليوم التالي بعد انهيار المفاوضات إلى تحويل مضيقي هرمز وباب المندب إلى سلاح طهران الاقتصادي، مقابل سلاح أمريكا الاقتصادي الذي تستخدمه أمريكا ضد طهران، بهدف ترسيخ القدرة على تعطيل التجارة العالمية، تمت تسميته بسلاح يوم القيامة الإيراني التي تمثل أداة ضغط عالمية ضد المجتمع الدولي، وكانت إسرائيل ترى أن الاتفاق بين أمريكا وطهران حول مذكرة التفاهم قد تمثل نهاية مرحلة واحدة من الصراع الإقليمي، لكنها بعيدة كل البعد عن ضمان الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن اليمن وفي قلبه جماعة الحوثيين، هي احدى الساحات الرئيسية التي ستختبر فيها قوة الاتفاق الحقيقية، لأن إيران ترى أن الحوثيين ليسوا مجرد جهة فاعلة محلية في اليمن بل هم جزء من نظام الردع الإقليمي الذي أسسته على مر السنين، والسيطرة على باب المندب يمنح إيران ورقة استراتيجية قيمة للغاية.
لكن يواجه الحوثيون عقبات ميدانية وقدرة سعودية على تشكيل تحالفات دولية حاسمة في محاولات تخفيف الضغط عن طهران وكسر هذا المخطط الإيراني الذي كان يهدف لإعلان باب المندب مسرحا نفوذيا لطهران، وكبدت الجماعة خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، مما حال دون سيطرتهم الكاملة على المضيق، باعتبار أن الجبهة الحوثية أداة تشتيت وابتزاز وليست أداة إنقاذ، بسبب أن التحرك الحوثي يأتي بتنسيق وتوجيه مباشر من الحرس الثوري الإيراني، لفتح جبهة استنزاف أخرى بالبحر الأحمر، تزامنا مع تضرر طهران من الضغوط العسكرية والاقتصادية والقيود المفروضة على مضيق هرمز، وغير قادرة طهران على تصدير نفطها، وهناك نحو 100 سفينة ظل موجودة بالبحر تم ضرب 3 سفن فقط في 1/9/2026 ضمن 100 هدف ردا على استهدافات إيران للملاحة، ويمكن لأمريكا ضرب بقية السفن إذا واصلت إيران تهديداتها للسفن التي تمر بمضيق هرمز.
هذا الدور لم ينجح في خلق اضطرابات ورفع تكلفة التامين البحري العالمي وإن كان بشكل مؤقت، وهو لا ينقذ إيران أيضا من أزمتها الاستراتيجية العميقة، بل حول سواحل اليمن إلى ساحة مواجهة كبرى يدفع الحوثيون والداخل اليمني ثمنها الكبير، وإن كانت هي فرصة يتم القضاء على الحوثيين واستعادة سيادة اليمن.

أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة أم القرى بجامعة أم القرى سابقا
Dr_mahboob1@hotmail.com

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

أستاذ بجامعة أم القرى بمكة سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى