
مقامات البوح ومكابدات التأويب
قراءة نقدية في قصيدة “ضياء” للشاعر حسن محمد حسن الزهراني
المنشورة بصحيفة مكة الإلكترونية
بقلم د. كاميليا عبد الفتاح
الأستاذ المساعد في تخصص الأدب والنقد
ما الذي أغراهُ بهذا اليقين المنبعث من قوله : آاااتٍ ؟
ما الذي أغراه بهذا اليقين الماثل في هذه الصيحة – الطويلة – التي بدأها بصوتِ الهمزة وهو صوتٌ شديدٌ انفجاريٌ – من حيثُ شكل المخرج – مهموسٌ – من حيثُ حركة الأوتار الصوتية – مرقّقٌ – من حيثُ حركة مؤخرة اللسان –فضلا عن الارتكاز على تكرار حرف المد ثلاث مراتٍ …؟!
على كل حالٍ ، كان لا بد أن نصحب هذا اليقين معنا ، ونحنُ نمضي في جنبات القصيدة – بحثًا عن مصدره – فإذا بالشاعرِ يعلنُ أنّ حدثَ ” إتيانه ” مُحاصرٌ بين عالمين : التغريبُ الكامنُ في ( صلوات الريح ) ، و (صافنات المُنى ) التي تغري قلبه به.
ورغم ما بين عوالم التّغريب ، و إغراء المُنى من تباين إلّا أن مفردتي ” الصلوات ” ، و” الصافنات ” – المتعلقة بهما – تلتقيان عبر صوت ” الصاد ” وهو رخوي – من حيث شكل المخرج – مهموس – من حيث حركة الأوتار – مفخّم – من حيثُ حركة مؤخرة اللسان – ومن خلال هذا المشترك الصوتي تنبثقُ دلالةٌ إشاريّة تطرحُ المُنى بوصفها جزءا من عوامل تغريب الشاعر ، وتُبرزُ هذا التَّغريبَ باعتباره مُحرضا على المُنى المقاومةٌ له.
على صعيدٍ آخر ، وعند تتبّع الأصل اللغوي لمفردة الصافنات وجدناه على نحو يفسّر – بوجهٍ من الوجوه – المناخ الوثوقي الذي أحاط بحدث الإتيان ؛ إذ يقول صاحب المحيط : صفنَ الفرسُ يصفنُ صُفونا : قام على ثلاث قوائم وطرفِ حافر الرابعة . “
الصافنات – وفق هذا الأصل اللغوي – هي الجيادُ التي تقفُ على ثلاث قوائم ؛ بما يُذكرنا بتكرار حرف المد ثلاث مراتٍ في قول الشاعر : ” آااات ” وهكذا تبدو صافنات المُنى باعتبارها المطايا التي اعتلاها الشاعرُ في حدثِ ” إتيانه ” ومن هذه الصافنات استمدّ يقينه ، أو ثقته وإصراره . في الوقتِ ذاته حملت مفردةُ ” الصافنات ” إشارة تناصية للآيات القرآنية التي وصفت انشغال سليمان – عليه السلام – بها – عن ذكر ربه – حتى مغيب الشمس – ثم ذبحها والإنابة إلى الله.
يقول تعالى : ” ووهبنا لداود سليمانَ نعم العبدُ إنهُ أوَّابٌ * إذْ عُرض عليه بالعشيّ الصافناتُ الجّياد * فقال إنّي أحببتُ حبّ الخير عن ذكر ربّي حتى توارت بالحجاب * رُدّوها عليّ فطفقَ مسحًا بالسّوقِ والأعناق ِ ” من الآية 30 إلى الآية 33 من سورة ” ص ”
مثّلت الصافنات – في هذه القصيدة – رمزَ غواية الأماني – ومنبثقا لتأويب الشاعر ، هذا التأويب الذي تفجّر في نهاية القصيدة .
ومن إغراء صافنات المنى انبثقت عدةُ أفعال اعتمدت – في الغالب – على التضافر بين ثنائية الصمت والبوح ، وهي :
شفافية الإفصاح ، صبابات الجنون المنزّلة من فمه ، صمته ، كتم رؤياه ، بوحه للشعر ، بوح الشعر للشمس …انتحابه ، ترديد الليل تأويبه.
إذا تأمّلنا منظومة الصمت والبوح – في هذه القصيدة – سنجد أنّ الصمت هو الحالة السائدة إلى حد الكتمان – كتمان الشاعر رؤياه عن أبيه – أمّا البوحُ فهو مقام ٌ يقفُ فيه الشاعر بين يديّ الشعر وحده ، يقول :
وقلتُ لِلشعر
إني في دُجى وَلهِي ”
ومن مقام هذا البوح ينبثقُ السجود – بصدق – ومن مقام السجود ينبثقُ ضياء الاشتعال – الذي يلهب المحبرة – ويُحرّضُ الشمسَ على الغياب – من باب الضحى – فيُقذف الشاعر خارج الكون ، ويولدُ الليل الذي يُرددُ تأويبه . حضور الذاتِ الشاعرة يتصدر مطلعَ القصيدة ، وتأويبُ هذه الذاتِ يختمُها ، وبين البدء والختام رحلةٌ من غواية المنى ، من المراوحة بين الصوتِ والصمت ، من العتمةِ والاشتعال حتى تشبُّ محبرةُ الشاعر ويسطعُ منها ضياؤه . هذا الضياءُ الذي يشتبك صوتيا – من خلال صوت الضاد – مع مفردتين : اخضرار ( الطيف ) ، و ( الضحى ) ، وكأنّ هذا الضياء طالعٌ من هذين العالمين بكل مداراتهما الدلالية .
اغترابُ الذات الشاعرة متضافرٌ مع أمانيها ؛ ولذلك فهي ذاتٌ تشتبكُ مع عوالمها الداخلية في جدلية معقدة يطالعها الناقد – والمتلقي – عبر هذا التّناص المبدع مع الطرح القرآني الخاص بقصة يوسف – عليه السلام -حيثُ يُوجّهُ النّصُّ المُستدعى إلى مسار دلالي يتسقُ مع مسار الرؤية الشعرية في هذه القصيدة ؛ وذلك بانتزاع تفاصيل القصة من حيزها الواقعي إلى حيِّزٍ داخلي – في جنباتِ النفس – ووفقَ هذا التناص – المتصرّف في دلالة النص المستدعى – يكتمُ الشاعرُ رؤياه عن أبيه – لا عن إخوته – ويصيرُ الذئبُ أعجوبة غرائبية من أعاجيبه ، كما أنه لا يُلقَى به إلى الجّب ، بل يحمل الجبّ معه رمزًا لتأزّم دائمٍ مزمنٍ يتوحدُ بذاته ويُصبح جزءًا من رحلتها ..جزءًا منها .
قصيدةُ ” ضياء ” للشاعر حسن محمد حسن الزهراني
آاااتٍ
وفي صلوات الرّيح تَغْريبي
وصافِنات المُنى السمراء تُغري بِي
قلبي
شفافية الإفصاح مُترعةٌ
بنبضه. واخضرار الطّيف ترحيبي
مُنزّلٌ
من صبابات الجنون فمي
بسائغ الوجد في أرقى تراكيبي
صمتي
وسادة شمس الجنّ
هل فَهِمَتْ
نبوءة الحزن سرّي قبل تأنيبي؟!!
كتمتُ (رُؤيايَ)
حتّى عن أبي ، ودمي
على قميصي ،
(وذئبي) من أعاجيبي
حَمَلتُ (جُبّي ) معي
في (دلو ) مسغبتي
وشدّني ماء صبري من تلابيبي
أفقتُ .
لكن متى ؟
فااااتَ الأوان على
صحوي ، ولم تُجدِ أحلامي تجاريبي
وقلتُ لِلشعر
إني في دُجى وَلهِي:
سجدتُ بالصدق عن سَهوِ الأكاذيب
هذا ضياء اشتعالي
شبّ محبرتي
وقال للشمس :
من باب الضّحى
غيبي
قُذفتُ خارج هذا الكون مُنتحباً
وردّد الليل لِلنُّساك تأويبي





