
بعد إعلان اتفاقية السلام بين (دولة الإمارات العربية المتحدة) و(الكيان الصهيوني) أصيبت (الدوحة) بدوخة وحالة من الهذيان، وأطلقت العنان لقناة الجزيرة (الذراع الإعلامي لدولة قطر) لتكيل عبارات التخوين المختلفة، وثار الحليفان تركيا وإيران وانتفض أصحاب (الأرض المحتلة)، وردد بعضهم كل الألفاظ الخارجة بحق دولة الإمارات العربية المتحدة، ووصل الأمر إلى أن مفتي القدس أصدر فتوى بتحريم صلاة الإماراتيين في المسجد الأقصى!.
عبر حسابه في تويتر، كتب وزير خارجية قطر السابق عن الاتفاقية: (وجهة نظري في هذا الصدد معروفة، وهي أن السلام لا بد أن يقوم على أسس واضحة حتى يكون التطبيع دائمًا ومستمرًا ومقنعًا للشعوب)، وتساءل معاليه (هل جاء إعلان الاتفاق الآن لتحسين صورة أبوظبي في أمريكا؟)
وبدورنا نتساءل يا معالي الوزير السابق ما هي (الأسس الواضحة) التي استندت عليها (الدوحة) حين فتحت ذراعيها في تسعينيات القرن الماضي للكيان المحتل (ولغيره من مثيري القلق قي منطقة الشرق الأوسط؟) وماذا كان الهدف من ذلك؟
ولماذا أصابكم الصداع من التقارب (السياسي) بين الإمارات والكيان الصهيوني
إن كنت ناسيًّا – الإجابات يا صاحب المعالي – سوف أفكرك، وهذا يتطلب قليلًا من التفنيد والعودة إلى ماضٍ ليس ببعيد!
بعد انقلاب (الابن على أبيه)، سعى القادة الجدد في قطر إلى الخروج عن إجماع دول الخليج و(كسر الهيمنة السعودية كما كانوا ولا زالوا يرددون)، وبأن لهم أهدافًا مستقلة بغض النظر عن الإجماع الخليجي، وبأن مصلحة قطر العليا فوق كل اعتبار، وبصورة أخرى كانوا يريدون تحقيق أي هدف لا يتوافق والسياسة الخليجية والسعودية تحديدًا، حتى أصبح الاختلاف والخروج عن الصف الخليجي والعربي هو ديدن السياسة القطرية.
مكانة السعودية (الدولية) شكلت للإدارة القطرية تحديًّا كبيرًا، وتفتق ذهن الخارجية القطرية بأن كسر الحاجر السعودي الدولي لكي ينال شيئًا مما تحظى به من تقدير لدى أمريكا لن يكون إلا عبر بوابة الكيان الصهيوني، فهو (أي الكيان) من يملك مفاتيح أبواب واشنطن العاصمة! ومن خلاله سوف تتغير نظرة الغرب بأكمله وليس أمريكا فقط ولن يهتموا حينها بحجم قطر (الصغير جدا) أو أي عوامل أخرى.
لم تهتم الإدارة القطرية بردود أفعال الدول الخليجية والعربية تجاه انبطاحها نحو (الكيان المحتل) وقال وزير خارجيتها آنذاك (إن سياسة قطر تجاه إسرائيل ليست موجهة ضد جيرانها)! وتتابعت تصريحاته الرنانة القوية بأن بلاده تنوي بحكم “استقلالية” قرارها (أن تنفرد بإلغاء المقاطعة الثانوية ضد إسرائيل إلى أن تتخذ الجامعة العربية قرارها بإلغاء المقاطعة العربية!) وعندما سئل معاليه عن علاقة قطر والكيان الصهيوني، وما تسببه من حرج مع جيرانها رد معاليه ببرود *(من المثير في بعض الأحيان اللعب بالنار )!*، قد يكون هذا الرد (مقبولًا نوعًا ما) من فنان صاعد يبحث عن ضوء من شهرة فنان كبير كما كانت تردد (أحلام) في بداياتها الفنية من تصريحات مشاكسِة للفنان الكبير محمد عبده، وليس من وزير خارجية دولة تحاول أن تبحث عن موطئ قدم لها في الساحة الدولية.
لم يكن الخروج القطري عن الصف الخليجي بالزحف نحو (الكيان الصهيوني) فقط، بل تابعت قطر مشاكسَة جيرانها في إطار بحثها عن السيادة واستقلالية القرار؛ وذلك بالاتجاه صوب (إيران) التي كانت علاقتها مع (السعودية) متأرجحة بسبب ملفات عدة منها، وكانت أيضًا علاقة (إيران) مع (الإمارات) في أسوأ مراحلها بسبب احتلال الجزر الثلاث. في هذه الأجواء المتوترة بين إيران وجيرانها، سارعت قطر بعد حرب الخليج بسنة لبحث مشروع اتفاق مائي مع (إيران)، تم التفاهم بين (الدوحة) و(طهران) على تقاسم حقول غاز الشمال الواقعة في مياه الخليج بين البلدين، وحرصت (الدوحة) على تطوير علاقتها مع (طهران) وقال أحد المسؤولين القطريين حينها إن قوة (إيران) من مصلحة المنطقة!
ثم كان التحرك القطري نحو (العراق) الذي كان معزولًا خليجيًّا وعربيًّا بسبب غزو الكويت، فأعادت قطر العلاقات الدبلوماسية مع (عراق صدام) في 1992 وسط احتجاج خليجي خاصة من (الكويت)، وقد بررت قطر موقفها بأن الدوحة – بعد حرب الخليج – بحاجة لتقييم تحالفاتها الخارجية، وهذا جزء من قرارها السيادي السياسي المستقل! ولم تكتف قطر بالجانب الدبلوماسي، بل كانت أول دولة خليجية تستعين بخدمات الرياضيين العراقيين بالرغم من احتجاجات رئيس اللجنة الأولمبية الكويتية حينها الذي قال: (بأن على دول المنطقة أن تقاطع نظام صدام حسين!)
بعد كل التاريخ (المشرف) أعلاه والخروج عن الصف الخليجي، وتسجيلات خيمة (القذافي) وما دار فيها من مؤامرات (ربما هناك تسجيلات مثلها مع صدام لم يحن الوقت لنشرها)، يتساءل معالي الوزير وبراءة الأطفال في عينيه: (سبحان الله يتصالحون مع إسرائيل ويحاصروننا؟)
لقد تأخر الخليج كثيرًا في (مقاطعتكم) يا معالي الوزير، وربما تكون الاتفاقية الإماراتية (نهاية مرحلة الحمدين)!.
خاتمة:
إن البكاء والعويل على قضية فلسطين من دول لها علاقات كاملة مع الكيان الصهيوني:(تركيا)، ودول تتواصل سرًّا معه:(إيران)، ودول تدعم شق الصف الفلسطيني بين فتح وحماس: (قطر)، لا يمكن إلا أن نصفه بدموع التماسيح التي تسيل منها وهي تلتهم فريستها. للعلم فقط إن الحزن والندم على الفريسة ليس السبب في تلك الدموع، فالتماسيح عندما تدخل في فمها شيئًا فهي تعي، وتعني ما تفعل.






