المقالاتعام

عندما تتسلطن المليشيات وتحبو الدولة

الحكومة العراقية تصرّح، على لسان الناطق باسمها، بأنها لا تقبل وتندد بأي هجوم ينطلق من أراضيها على دول الجوار، وهذا أقصى ما تذهب إليه.
طبعًا، إيران لا يعجبها حتي هذا التنديد علي انه مجرد حبر علي ورق. فهي لا ترضي به وتستنكره ، فهي الوالد المدلل للمليشيات وبالتالي فهذه المليشيات، سواء في لبنان أو العراق أو في أي مكان آخر، خلعت رداء العرب واعتمرت العمائم، السوداء أو البيضاء، فلا فرق؛ فكلها في الإفك شيخ، وفي الوقت نفسه كلٌّ يدّعي وصلاً بليلى.
وليلى هذه هي طهران، التي رغم كل هذا الدلال، لا يكفيها الحب عن بعد، بل تطلب المزيد من صغارها. فإثبات الولاء المطلق هو المزيد من الكره للعرب، ولا يكفيها الكره؛ فهي في هذا “خذ ولد”، ولكنها تريد المزيد من المليشيات لإثبات ولائها، فلا بد من إثبات ذلك بالنيل من الدول العربية، وبالذات الخليجية، بكم صاروخ وشوية مسيّرات، كمقبلات عدائية. فتطلب المزيد، والمليشيات تنحني طوعًا سم وتم .
والحكومة العراقية لا حول لها ولا قوة؛ فهكذا من ربّى ودلّل الوحوش ستنقض عليه، وتجعله مجرد مآة لا حول لها ولا قوة. ولا تكتفي المليشيات بالاستبداد بالقرارات، بل تمزمز على الدولة بإهانة تتلوها إهانة، حتى تستمتع بذلها.
وما يحدث في العراق يُحذف في لبنان، فكلاهما في الوقوع تحت سيطرة المليشيات الإيرانية يعاني. فإذا كانت المليشيات في العراق، إلى حد كبير، من صنع المقام السياسي، ففي لبنان صُنعت رغمًا عنه، نتيجة أحداث وصراعات كانت سوريا البائدة بطلتها.
وتحاول الدولة الحالية في لبنان استعادة القرار في يدها، ولكن “يا كد ما لك خلف”. فهذا هو سفير إيران يمتنع عن المغادرة، جالس، وطاولة المزّة والتبولة والذي منه بين يديه، ومنشكح، يغني على نغمات وديع الصافي: (قلت لها بطلت آعد لك في البيت).
وإيران تأمر أنه لن يخرج، وسيبقى رغمًا عن الجمهورية اللبنانية: (وإلي مو عاجبه يزت حاله من على الروشة).
وحال العراق ولبنان يترجمه المتنبي عندما قال:
ذَلَّ مَن يَغبِطُ الذَّليلَ بِعَيشٍ
رُبَّ عَيشٍ أَخَفُّ مِنهُ الحِمامُ
مَن يَهُن يَسهُلِ الهَوانُ عَلَيهِ
ما لِجُرحٍ بِمَيِّتٍ إيلامُ
أفرزت الحرب الأخيرة الكثير من التداعيات، فبالإضافة إلى كشف هذه المليشيات عن ورقة التوت الأخيرة من الحياء، مستوقية بإيران، التي رغم الهجوم الذي تعاني منه، شاءت أم أبت، فهي في ظني ما صدّقت “فطيمة بهذه الكليمة”، فالذي كانت تضمره للدول الخليجية من اغتنام فرصة للهجوم على مقدراتها المدنية والبنى التحتية، التي نهشت قلبها حقدًا لتفوقها عنها بمراحل لا تعد ولا تحصى، فقد حان وقت إفراغ شحنات الحقد وضرب هذه الدول المستقرة الآمنة، لكي تزعزع أمنها وتجرّها إلى الحرب، فتستنزف قدراتها وتعيدها معها إلى الوراء.
ولكن حكمة قادة دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، حالت دون ذلك التورط المقصود.
ما تقوله إيران إن سبب ذلك هو انطلاق هجمات من قواعد أمريكية، قد نفته دول الخليج من بداية الحرب، ولكن إيران لم تكتفِ بمهاجمة القواعد غير المبررة، بل هاجمت وبإصرار المرافق المدنية العامة، والمصانع، والمطارات التي يتكدس بها المسافرون بأعداد كبيرة.
والآن يطغى على الساحة الأنباء بوساطة باكستانية لإنهاء ذلك الصراع، وبما أن إيران قد جعلت دول الخليج ساحة لعدوانها، فلذا يجب أن يكون لدولها دور تلعبه في تلك المفاوضات، فلا مجال بعد اليوم بسياسة “السماح طبع الملاح ”… فهذا انتهى، ولا بد من وضع الأمور في نصابها.
وقد أحسنت باكستان صنعًا، التي تدرك خفايا الصراعات في المنطقة، بعقد اجتماع رباعي من السعودية ومصر وتركيا وباكستان الدولة الوسيط.

نأمل أن تأخذ أمريكا في اعتبارها مخاوف دول المنطقة ومحاور اهتمامها، إذا كانت فعلًا حريصة على السلام، كما يكرر تلك العبارة الرئيس ترمب، حرصًا منه على نيل جائزة نوبل للسلام، فلينلها بجدارة وباستحقاق.
وإن غدًا لناظره قريب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى