
بينما تميل الشمس نحو المغيب، كانت أشعتها تعيش وهجها الأقوى على وجهه، مشى خالد نحو شعاعها مغمضًا نصف عينيه، وصعد الطريق به كأنما يعرج لفلك مختلف، وضع يده في جيبه لتمسك بورقة نقدية كأنها ستضيع لو لم يفعل، حتى انسدل الضوء في ظلال تموينات يعرفها جيدًا، كانت قبل سنتين مرتع صباه في المرحلة الابتدائية، هنا حيث كانوا يخرجون من المدرسة إليها، ويأخذون ما يشتهون، منهم من يملك المال ليدفعه بنزاهة، ومنهم من يستعين بالمكر وخفة اليد ليعودوا جميعًا وبأيديهم ما يشتهون، تختلف الطرق وتتحد النتيجة، ولج إلى الداخل بينما يتفقد ثلاجات الآيسكريم في نهاية المكان، هنا كان يتوارى عن الأنظار ليخفي النوع المفضل في ملابسه، راودته الفكرة في أن يستعيد لياقته وذكرياته.. سرعان ما اصطدمت عيناه بتغير الثلاجة التي كان يقصدها لتصبح مليئة بالخضار المجمدة هذه المرة، التفت ليرى المحاسب ينظر إليه بفضول، هنا استجمع قواه وحضر كلماته بإتقان، واتجه إليه ليحدثه بلغة النادم الذي يرجو الغفران، ويخبره عن قصة الحساب الذي لم يدفعه منذ سنتين.. تمعر وجه المحاسب وطار الشرر من عينيه كأنما تذكر كل مرة حسم فيها من مرتبه دون ذنب، كان السبب الذي يبحث عنه طويلاً يقف أمامه الآن، ويخرج مرتبكا ورقة “مئة” ريال لا تعبر سوى عن الحاجة للصفع مهما كان جسد حاملها قصيرًا ومنكسرًا، رفع يده عاليًا ليهوي على خده بصفعة دوت في أرجاء المكان، ومد يده الأخرى ليسحب منه هذه الورقة التي لحسن الحظ لم تتمزق، ويطرده من المكان بصرخة مرعبة، خرج خالد الذي تلقى للتو الصفعة الأولى في حياته، كان شعورها غريبًا، فهناك صفير يطن في أذنيه ربما يكون صوت الغفران، أو ألم الخطيئة التي تم استفياء عقابها، مشى نحو بيته آملاً أن ينتهي هذا الطنين قبل وصوله.






