حوارات خاصةالثقافية

منيرة المشخص لـ«مكة»: رمضان فرصة لمراجعة الخطاب الإعلامي وبناء الوعي

في هذا اللقاء الرمضاني مع صحيفة مكة الإلكترونية، تفتح الإعلامية منيرة بنت حسن المشخص صفحات من تجربتها الإعلامية والإنسانية، متحدثةً بصراحة عن أسباب ابتعادها عن المشهد الإعلامي خلال السنوات الأخيرة، بعد مسيرة امتدت بين الصحافة والإذاعة والتلفزيون، ثم العمل مستشارةً إعلامية في عدد من الجهات. وفي حوارٍ يتسم بالهدوء والتأمل، تستعرض المشخص رؤيتها لشهر رمضان بوصفه موسمًا للمراجعة الروحية والفكرية، وتتوقف عند دور الإعلامي في تهدئة الخطاب العام وتعزيز الوعي المجتمعي، كما تتطرق إلى ملاحظاتها حول المشهد الإعلامي والدرامي في رمضان، وتكشف عن مشاريعها الكتابية القادمة، مستحضرةً في الوقت ذاته بعض المحطات المؤثرة في ذاكرتها الشخصية والمهنية.
بهذا الحوار، نقترب من تجربة إعلامية ثرية، ومن رؤية هادئة تؤمن بأن الكلمة المسؤولة قادرة على بناء الوعي وترك أثرٍ يتجاوز حدود اللحظة والموسم.
• أهلاً بكِ في صحيفة مكة الإلكترونية في هذا اللقاء الرمضاني. متابعوكِ يتساءلون عن غيابكِ الأخير، فما الجديد في رحلتكِ هذه الفترة؟
أهلًا بكم وبقراء صحيفة مكة الإلكترونية العزيزة عليّ.
غيابي طال، وأخاف أن ينطبق عليّ بيت الشعر لـ دايم السيف، أمير القلم والريشة الأمير خالد الفيصل:
لا يطول غيابك ثم آخذ عليه
لو تخليت عني عنك قلبي ما تخلى
العذر والتعلل والحكي ما نبيه
من تحرك فؤاده بالهوى ما تخلى
غيابي اختياري وقسري في الوقت ذاته، وبالنسبة للإعلام فهو العشق المهني. أتمنى العودة من خلال برنامج إذاعي، لكنني أنتظر الممول المالي.
ولدي مشروع قصصي من خيال الواقع وواقع الخيال، وإن شاء الله أشارك به في معرض الرياض للكتاب القادم، وأفكر في تحويله إلى مسلسل حلقات منفصلة.
رمضان شهر المراجعات الروحية والإنسانية.. كيف تعيش منيرة المشخص هذا الشهر بعيدًا عن صخب الجدل الإعلامي؟
كما ذكرت في البداية، أنا بعيدة عن الإعلام، لكن لدي وعد قطعته على نفسي منذ سنوات طويلة، وهو أنه حالما يدخل شهر شعبان أبتعد فورًا عن منصة X، وحين يُعلن عن دخول شهر رمضان المبارك أغلق التلفزيون ولا أشاهده نهائيًا إلا إذا كنت متواجدة عند أحد الأقارب.
لكن لدي عشق منذ الصغر وهو القراءة، طبعًا القرآن الكريم أحاول قراءته طوال العام، لكن في رمضان أحرص كذلك على متابعة أخبار العالم الاقتصادية والسياسية والثقافية بحكم اهتمامي الدراسي والإعلامي.
هل تغيّر إيقاع الكتابة لديك في رمضان؟ وهل يمنحك هذا الشهر مساحة أوسع للتأمل قبل إطلاق الرأي؟
هههههه… أرى سؤالك نوعًا ما ملغمًا.
وما ابتعادي عن شبكات التواصل الاجتماعي خلال رمضان إلا لأنني أرى بعض من يكتبون فيها لا يراعون حرمة الشهر ولا يتحلون بالخجل، وليس لديهم كبح للغضب في الردود، لذلك لا أحرص عليها في هذا الشهر الكريم بسببهم. ومن طبعي الابتعاد عن الردود المحتقنة في رمضان وغيره.
في شهر الرحمة والتسامح، كيف ترين دور الكاتب والإعلامي في تهدئة الخطاب العام وتعزيز الوعي المجتمعي؟
يفترض أن يكون الإعلامي أو الكاتب، وكذلك المؤثرون، أن تكون كتاباتهم في رمضان وغيره بعيدة عن الصخب والتأجيج أو التصيد أو النقد السلبي. وإن كان لا يستطيع ذلك فليصم عن المنصات ويريح الناس من أذاه.
يقول البعض إن الكاتب الصريح يدفع ثمن جرأته.. هل تعتقدين أن الصراحة في الرأي يمكن أن تتعايش مع روح التسامح التي يرسخها رمضان؟
بصراحة أقولها وكلي خجل: الأغلبية منا لم تعد تستشعر روحانية الشهر، بل يرى البعض أن الصيام يزيد من توتره، لدرجة أن بعضهم يكتب انتقادات عن الأجواء الرمضانية بطريقة منفرة، وكأنه بينه وبين رمضان ثأر قديم.
الصراحة مطلوبة، لكن بهدوء، وهذا الكلام أوجهه لنفسي قبل غيري.
الصيام يهدي النفوس لا يؤججها، فلا نجعل من رمضان فرصة للاقتصاص من الآخرين، بل نجعله فرصة للتسامح مع أنفسنا قبل غيرنا؛ لأننا نحن فقط من سنخسر راحتنا.
رمضان يعيد ترتيب الأولويات لدى كثير من الناس.. ما الأولوية الفكرية أو الاجتماعية التي تتمنين أن يلتفت إليها المجتمع اليوم؟
بالنسبة للفكرية، لاحظت منذ سنوات انتشار الملتقيات الثقافية أو المقاهي الثقافية، وقد أعجبتني كثيرًا وحضرت بعضها.
وما شاء الله، جهود وزارة الثقافة ووزارة السياحة واضحة في هذه الملتقيات، إلى جانب جهود فردية لبعض المهتمين، رغم أن الإقبال على المبادرات الفردية ما يزال ضعيفًا. لذلك أتمنى أن يكون هناك لقاء يجمع أصحاب هذه الدواوين الثقافية كل ثلاثة أشهر، ويتم اختيار مدينة مختلفة في كل مرة لتعريف الناس بهم.
من خلال متابعتك للمشهد الإعلامي، هل ترين أن الإعلام العربي ينجح في استثمار رمضان لبناء خطاب إيجابي أم يكتفي بالمحتوى الترفيهي؟
رمضان في الإعلام العربي أصبح موسمًا للمشاهدة أكثر من كونه موسمًا لبناء خطاب إيجابي. فالمسلسلات غثها أكثر من سمينها، والترفيه يتصدر المشهد، بينما ما يزال الاستثمار القيمي والمعرفي في هذا الشهر دون الإمكانات المتاحة.
بمعنى آخر: الإعلام العربي يربح من رمضان جماهيريًا، لكنه لم يستثمره بعد بما يكفي لصناعة خطاب قيمي ومعرفي مستدام.
ما المقال أو الفكرة التي تمنيتِ كتابتها في رمضان ولم تتح لك الفرصة بعد؟
كتبت تغريدة قبل أن أترك المنصة تطرقت فيها إلى الاستعانة بالمشاهير في الأعمال الفنية، رغم أن معظمهم غير مؤهلين لعالم التمثيل، وطالبت بضرورة حصولهم على ترخيص مثلنا كإعلاميين، والمشاركة في ورش تدريب تمثيلية.
وكنت أتمنى كتابة مقالة بعنوان:
(مشاهير المنصات في عالم الفن… طقها والحقها).
في ذاكرتك الرمضانية، ما اللحظة أو الموقف الذي شكّل علامة فارقة في حياتك الشخصية أو المهنية؟
عام 2015 كان عام الحزن بالنسبة لي في رمضان؛ فقد توفيت والدتي – رحمها الله – الجوهرة بنت محمد الحامد الشريف في الخامس من شعبان، وكان ذلك العام أول رمضان نصومه بدونها.
ولا أزال أنا وإخوتي نفتقدها، كما نفتقد والدنا – رحمهما الله. ويزيد حزني أن يوم 22 رمضان من العام نفسه شهد وفاة صاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل – رحمه الله – وزير الخارجية، وكان لي معه مواقف أفتخر بها.
وهناك مواقف حزينة ومفرحة سيأتي يوم أتطرق لها عندما أنوي كتابة ذكرياتي الصحفية إن شاء الله.
أما مهنيًا فهناك مواقف كثيرة، لكن آخرها التحاقي مستشارة إعلامية بجامعة اليمامة في رمضان 2024، وكانت تجربة أكثر من رائعة.
كيف يمكن للكاتب أن يوازن بين النقد الصريح للمشكلات الاجتماعية وبين الحفاظ على الأمل في إصلاحها؟
أرى أن التوازن يتحقق عندما يقدم الكاتب نقده بوصفه قراءة للواقع، لا حكمًا نهائيًا عليه. فطرح المشكلات بوضوح يمنح المجتمع فرصة لمواجهتها، لكن الأمل يتولد عندما يُظهر الكاتب أن هذه المشكلات قابلة للفهم والمعالجة وليست قدرًا ثابتًا.
لذلك يكون النقد مسؤولًا حين يضيء مناطق الخلل، ويظل منصفًا حين يذكّر بقدرة المجتمع على المراجعة والتغيير. فالكتابة بالنسبة لي ليست إعلانًا لليأس، بل محاولة لفتح مساحة أوسع للفهم والإصلاح.
ما رأيك في الدراما السعودية في رمضان؟
سبق أن أخبرتك أنني لا أشاهد التلفزيون نهائيًا في رمضان، لذلك من الصعب الحكم عليها. وإن كان هناك من يتطرف في مدحها أو انتقادها من خلال ما يُكتب في منصات التواصل، مما يجعلني أبتعد عن متابعتها.
ما رأيك في الدراسة في رمضان وما نصيحتك في هذا الجانب؟
الدراسة في رمضان لو كانت مثل وقتنا قبل سنوات طويلة لقلت إنها أفضل وقت، خاصة لو بدأت بعد الفجر. لكن الآن كثرة الإجازات سببت إرباكًا للأهالي والطلاب والمعلمين والمعلمات.
لذلك في ظل هذه الوضعية أرى أن الدراسة عن بعد أفضل من الحضورية.
لو طُلب منك توجيه رسالة رمضانية قصيرة للقراء والإعلاميين، فماذا تقولين؟
رسالتي لي قبل غيري: رمضان ليس مجرد موسم أو محتوى ترفيهي موسمي أو عبادة عادات، بل عبادات إيمانًا واحتسابًا، وفرصة لمراجعة الخطاب الإنساني المغلف بالديني الذي نقدمه لبعضنا.
كما أنه فرصة للحفاظ على التوازن بين الفضول في الفهم والحوار. أما الإعلاميون فعليهم أن يتذكروا أن الكلمة في هذا الشهر تصل إلى القلوب قبل العقول، فلتكن كلمة تبني الوعي، وتعزز القيم، وتترك أثرًا طيبًا يتجاوز حدود الموسم ويبقى إرثًا عبر الزمن.
كلمة أخيرة في نهاية اللقاء…
أتمنى أن أكون ضيفة خفيفة على الصحيفة والقراء الأعزاء مثل شوربة رمضان، وأن أكون قد تركت بصمة مميزة، خاصة أن اللقاء كان دون ترتيب مسبق.
وأشكر رئيس التحرير
الأستاذ عبدالله الزهراني
على إتاحة هذه المساحة لي لأكون ضيفة على مائدة الإفطار.
التوقيع
منيرة بنت حسن المشخص

 

عبدالله الزهراني

حساب تويتر https://twitter.com/aa1hz

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى