منتدى القصة

نهار الأحد ..

ق. ق

قابلتها صدفة في حارتنا العتيقةو لعل الشوق الذي حدا بي للذهاب هناك هو ماجعلها تأتي لنلتقي على غير موعد .. بادرتني هل مرت بسلام كما يقولون ؟؟!!
قلت أو قد قالوا ؟؟!!
إذًا حصل لكن ليس بسلام على ماأعتقد .. أغمضت عيني وعدت هناك إلى تلك السنين .. تمتمتُ برسائل بعثتها للسماء ودعوات أن تكون فعلا مرت وضرت وانتهت .. فعذرًا لكل الأرواح التي غادرتنا وما شبعنا منها .. عذرًا لكل القلوب التي فارقتنا وما ودعناها وداعًا يليق بها .. عذرًا لكل كتاب على رفوف مكتبتي ما زال ينتظر دوره بين عيني ويدي وعقلي حتى مل ّولو طال الحجر لكان له ما تمنيت .. عذرًا لكل الدروب التي هجرناهاوكانت لنا المتنفس من ضيق الحياة ومشاكل العالم .. عذرا للصحب الذين نسينا ملامحهم بعدما ألفناها ردحًا من زمن .. عذرًا لمن عرفناه في شدتنا ثم تركناه في رخائنا فترك لنا العالم بأسره لأن الدنيا ما عادت تعني له شيئًا .. عذرًا لكل عين نحبها بكت فمااستطعنا مع هذا البعد أن نمسح عنها دموعها وتركناها تلوك الشقاء والحزن وحدها .
بالأمس وعلى غير ‏موعد سابق افترقنا ، التزمنا البيوت، تحدثنا عبر الواقع الافتراضي، وصلنا كل مدن العالم في غرف مغلقة، شكينا كثيرًا وبكينا أكثر .. الكل كتب مؤلفه عن العزلة وعن الوباء طُبعت تلك الكتب ، وعرضت في معارض الكتب والمكتبات، أرّخت لوقت عصيب تحدى فيه مخلوق ضعيف بقدرة الله وأمره كونًا بأكمله وعالما بكل مافيه فظهر عجزنا أمام قدرة من أوجده وأوجد هذا الكون .. وحدي رفضتُ أن أدون حرفًا واحدًا يذكرني بهذا البلاء، فلو امتلكت القدرة على البوح حينها فلن استطيع العودة لما كتبت لأقرأ ، وأرتب، وأنقح ، وأحذف، وأزيد على عادة المؤلفين .. ولن تتحمل روحي تذكر كل تلك العذابات والخوف وعداد أرقام المصابين والوفيات.

في سنين الوباء غابت أمي بعد أن خفت وطأته على العالم فهل هناك ما يمكن أن اعتذر به على كل الأيام والساعات التي كنتُ لا أراها فيها إلا عبر التواصل المرئي ؟
غابت أمي وهي قريبة مني لا يفصلني عنها إلا ساعة من زمن، لكنها كانت لا تحتمل أن يُنقل لها عدوى قد تودي بحياتها وما علمنا أن مغادرتها كانت قريبة فقط كانت تنتظر شيء أرادته بشدة ودعت الله أن يحققه لها وفعل سبحانه بكرمه وحقق لها ماأرادت ثم كان الغياب .. غابت أمي ومع أمي غابت أمهات كُثر فتشظت الأرواح فصبرا وجبرا .
غابت أرواح عزت وأبّنت ورثت من سبقها ولم تعلم أن الدور قريبًا منها وما هي إلا مسألة وقت وقدر ولوح قد كُتب .
هل هناك من يصدق لو قلت إني ماعدتُ أريد أن تعود الحياة إلى طبيعتها فقد ألفتُ العزلة و الكمام ألفتُ أن أحجز مواعيد طاعتي والتزم ، ألفتُ النظافة والتعقيم المبالغ فيه في كل مكان ، ألفتُ التنظيم وعدم الازدحام أمام الأسواق و المحلات التجارية ، ألفت الزام المتهاونين وعقابهم فيما لو خالفوا .
هذه الألفة كانت لي حياة، وحياتي الجديدة هذه التي ألفتها وتعودت عليها جعلتني أتسأل من جديد هل حقًا مرت بسلام في عالمي ؟!!
فتحتُ عيني على صوتها تنادي فقد وصلتْ إلى مخبأنا السري في الجبل الذي كنا نلعب فيه في طفولتنا ونخبئ فيه بعض أسرارنا التي عجزت مشاكل الحياة أن تمحوها من ذاكرتنا لكن يد من حديد وجدنا أثرها بدأت تدك أسفل الجبل مؤذنة بزواله .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: