كتاب الرأي

الدور الريادي للمملكة العربية السعودية في تحقيق سلام واستقرار اليمن وأمن المنطقة العربية

تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة حرجة للغاية، تتعدَّد فيها الملفات الإقليمية المتأزمة. ويُعتبر الملف اليمني الأكثر حضورًا وتأزُّمًا في أغلب مراحل وتفاعلات وتعقيدات العالم والمنطقة؛ حيث إنَّ اليمن تحوَّل إلى منطقة تدخلات نتيجة عوامل جيوسياسية عديدة، في مقدمتها موقعه الاستراتيجي على طريق الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، إضافة إلى هشاشة الوضع السياسي وحالة الصراع المستمرة منذُ عقد من الزمن على أقل تقدير. كل ذلك فتح باب اليمن على مصراعيه لمختلف الأجندات والمشاريع، في ظل غياب متفاقم للدولة عقب الانقلاب الحوثي في سبتمبر 2014 الذي جاء نتيجة تاريخ طويل من الدعم الإيراني الخفي لمشروع الجماعة المتمردة. وتُبرز الاهتمامات الإقليمية والدوليَّة باليمن تباينات شاسعة في مواقف وطريقة تعامل الدول التي أبدت اهتمامها بمجريات المشهد اليمني وتفاعلاته انطلاقًا، إمَّا من محاولة استغلال وضع البلد وتناقضاته وأزماته، وإمَّا من منطلق حرصها على أمن هذا البلد واستقراره.
فبينما تعمل إيران على زعزعة أمن واستقرار اليمن والمنطقة العربية والهيمنة عليها، وتحويل اليمن إلى حلقة في مسلسل صراعاتها المتشددة مع المجتمع الدولي على خلفية النزاع حول برنامجها النووي؛ حيث أصبحت إيران منذ تولى نظام الجمهورية الخمينية السلطة، دولة معادية لكل البلدان العربية تقريبًا، إضافة إلى ما تشكله من خطر على الأمن والسلم الدوليين، وذلك من خلال اعتمادها على مجموعة من الشعارات والأفكار المتطرفة، ودعمها للجماعات والأعمال الإرهابية، والتسبب في حروب مع بعض دول الجوار وإشعال الفتن الطائفية في بلدان أخرى.
وخلافًا لإيران، تقوم المملكة العربية السعودية بدور محوري لمنع التدهور والتأزم في المنطقة العربية وتحقيق الأمن والاستقرار الدوليين، من خلال طرحها للمبادرات أو المشاركة في المؤتمرات الدولية المعنية واستثمار علاقاتها السياسية والاقتصادية القوية مع الدول الكبرى، وتأثيرها في المنظومة الإقليمية والدولية، للدفع نحو إيجاد حلول للأزمات والقضايا العالقة في المنطقة العربية وخارجها، التي أصبحت مسرحًا للتطرف والإرهاب، تغذيه التدخلات الخارجية في الشؤون العربية. إنَّ الدور القيادي السعودي في حل النزاعات الإقليمية والدولية مستمر وعلى جميع المستويات العربية والإسلامية والدولية. ويأتي هذا الدور انطلاقًا من ضرورة تحقيق الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما تجلّى بشكلٍ واضح في رؤية 2030، والذي تضمَّن في جزءٍ منه تعزيز مكانة المملكة إقليميًّا وعالميًّا، والدفع بمسيرة التعاون المشترك بين دول مجلس التعاون الخليجي، وذلك بإطلاق مجموعة من الشراكات الاستراتيجية، وتحقيق المصالح السعودية على الصعيدين الإقليمي والدولي.

في هذا الإطار يأتي هذا المقال ليبرز الجهود السياسية والدبلوماسية والإنسانيَّة للمملكة العربية السعودية لتحقيق سلام اليمن وأمن المنطقة العربية، والقضاء على المشروع الإرهابي الإيراني وأداته الحوثية التدميريَّة وليجيب عن التساؤل التالي: إلى أين يذهب المشهد اليمني في ظلِّ تعنُّت الحوثي وداعميه في إيران من جهة ومن جهة أخرى جهود السلام التي تبذلها السعودية خلال أكثر من سبع سنوات من الحرب المفتوحة منذ مارس 2015 التي عصفت باليمن السعيد وخلَّفت الدمار والمعاناة وهو اليوم يصارع من أجل النجاة والحياة؟

ما من شك أنَّ اليمن والسعودية بلدان تربطهما علاقات أخويَّة في الدين والعروبة وجغرافية واستراتيجية ومصالح مشتركة. ومن هذا المنطلق يأتي دور المملكة الريادي في دعم اليمن في مواجهة ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران، في الحفاظ على الأمن والسلم والاستقرار الإقليمي، وحماية المصالح العالمية في هذه المنطقة الحيوية الاستراتيجية. وفي هذا السياق تنوعت الأدوات السعودية في التعامل مع الأزمة اليمنية وفقًا للمعطيات القائمة؛ حيث اتَّسم الدور السعودي فيها بالمرونة والشمولية؛ إذ قادت المملكة العربية السعودية في عام 2015 التحالف العربي في اليمن مع بعض الدول العربية؛ استجابةً لنداء الشعب اليمني والرئيس الشرعي في التدخل العسكري من خلال قيام دول التحالف بعملية “عاصفة الحزم”، فما إن أدركت القيادة السعودية خطورة هذا المخطط على الشعب اليمني ودول الجوار حتى سارعت باتخاذ القرار التاريخي للوقوف بحزم ضد المشروع الإيراني في اليمن ودحر المعتدين والطامعين في الوصول إلى جزيرة العرب عبر عملائها الحوثيين وتعريض أمنها السياسي والإقليمي للخطر. ومن هنا تجلت الحنكة السياسية والنظرة الثاقبة لخادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين وحكومته الرشيدة في التعامل مع هذا الخطر المتزايد بما يقتضيه الموقف للدفاع عن الشعب اليمني وضمان أمن الحدود السعودية، والنأي بأمن الخليج عما يشبه صور الوجود والتمدد العسكري والسياسي لإيران في سورية ولبنان والعراق وما نتج عن هذا الوجود والتوغل من أزمات سياسية وحروب أهلية طائفية وكوارث إنسانية أوهنت جسد الأمة العربية، وصرفت أنظارها عن قضاياها العربية ونهضتها العلمية والاقتصادية.
وقد لعبت المملكة دورًا رياديًّا في الجوانب العسكرية والإنسانية والتنموية في اليمن. ففي الجانب العسكري تحملت المملكة مسؤولية قيادة العمليات العسكرية البرية والجوية ضد ميليشيا الانقلاب، وبالتزامن مع ذلك تم إعادة بناء مؤسسة الجيش والأمن التي دمرها الانقلاب، وتمكن التحالف من تحرير نحو 90% من مساحة اليمن، كذلك تصدى المملكة للصواريخ البالستية والهجمات المتكررة التي تشنها ميليشيا الحوثي الإيرانية نحو المدن السعودية. وعلى الصعيد الإنساني تؤكد المملكة دورها الريادي في المجال الإنساني بكافة أشكاله لتغطية الاحتياجات الإنسانية ودعم الاقتصاد اليمني والتخفيف من آثار الحرب؛ حيث قامت بالمشاركة والدعوة لعقد مؤتمرات المانحين لليمن، وتعد المملكة الدولة الأولى المانحة لليمن تاريخيًّا وحتى في الظروف الاستثنائية التي يواجهها العالم بسبب جائحة كورونا، فقد بادرت المملكة بتقديم مبلغ 500 مليون دولار لدعم خطة الاستجابة الإنسانية لليمن في 2020، وخطة مواجهة فيروس كورونا، بل إنَّ المساعدات تجاوزت منذ بداية الأزمة 18 مليار دولار أمريكي، شملت تنفيذ مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية أكثر من 453 مشروعًا، إلى جانب مساعدات لإعادة الإعمار والمساعدات المقدمة لليمنيين داخل المملكة، والمساعدات الحكومية الثنائية، وتقديم وديعة بمبلغ 3 مليارات دولار أمريكي لدعم العملة المحلية والاقتصاد اليمني، وتقديم مشتقات نفطية بقيمة 60 مليون دولار أمريكي شهريًّا لتشغيل محطات الكهرباء، ومشروع «مسام» لتطهير الأراضي اليمنية من الألغام الأرضية الحوثية والذخائر الحيَّة.
وظلَّت السعودية تعمل، إلى جانب معظم دول الخليج العربي، على دفع البلاد خارج دائرة الصراع الداخلي من خلال مبادرات الوساطة التي بدأت بالمبادرة الخليجية 2011، واتِّفاق الرياض 2019، ثمَّ المبادرة السعودية 2021، وآخرها المشاورات اليمنية 2022 التي عُقدت بالرياض من 29 مارس إلى 7 أبريل 2022 تحت رعاية الأمم المتَّحدة وبدعم من مجلس التعاون الخليجي في مناقشة الأوضاع والتحديات الراهنة في اليمن وطرح الحلول وآليات التنفيذ في ستَّة محاور، شملت السياسة والاقتصاد والأمن ومكافحة الإرهاب، إضافة إلى المحاور الاجتماعية والإعلامية.
وتجدر الإشارة إلى أنَّ الإعلان عن المشاورات ترافق بقصف وهجمات حوثية طالت جنوب السعودية ووصلت إلى جدَّة، واستهدفت المنشآت النفطية ومصادر الطاقة ومحطات تحلية المياه ومحطات الكهرباء والغاز في ظروف بالغة الحساسية يشهدها العالم وتشهدها أسواق الطاقة العالمية، وفي انتهاك صارخ للأعراف والقوانين الدولية ولقراري مجلس الأمن 2216 و2624 الذي صنَّف للمرة الأولى ميليشيا الحوثي كـ”جماعة إرهابية” وأدرجها ككيان على قائمة عقوبات اليمن في ظل حظر السلاح.
وربما كانت هذه محاولة من ميليشيا الحوثي لعدول مجلس التعاون الخليجي عن عقد هذه المفاوضات مثلما سبق لها إفشال كل جهود ومبادرات السلام المحلية أو الإقليمية أو الدولية. إن هذه الجرائم تشكل تهديدًا مباشرًا للأمن والسلم الدوليين، وتؤكد للعالم أن هذه الميليشيا جماعة إرهابية بامتياز لا تعترف بالسلام، إلَّا أنَّ إصرار السعودية ودول المجلس، وجامعة الدول العربية والمبعوثين الأمميين على عقد هذه المشاورات، ومحاولة تحريك الملف، كان أقوى من كل التهديد الحوثي؛ نظرًا لتدهور الأوضاع الإنسانية والاقتصادية في اليمن؛ نتيجة استمرار الحرب منذ نحو 8 سنوات والتي تفرض تدخلًا عاجلًا.
وانبثقت عن هذه المشاورات جملة من المخرجات الهامَّة ترسم خارطة طريق السلام في اليمن، وتمثَّلت في إعلان الرئيس اليمني إنشاء مجلس القيادة الرئاسي لاستكمال تنفيذ مهام المرحلة الانتقالية، وتفويضه بكامل صلاحيات رئيس الجمهورية وفقًا للدستور اليمني والمبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية، ومخرجات الحوار الوطني الشامل، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة بما فيها القرار 2216، وكذلك تشكيل هيئة استشارية موسَّعة. وتضمنت المخرجات أيضًا دعوة مجلسي النواب والشورى للانعقاد بصفة دورية ومنتظمة لممارسة مهامهما الدستورية، وتعزيز استقلال القضاء والنيابة العامة. وشمل التوافق ضرورة التعافي والاستقرار الاقتصادي وإدارة الموارد الطبيعية وحوكمة الموارد المالية للدولة، وتطوير آلية الشفافية والمحاسبة ومكافحة الفساد ومعالجة آثار الحرب وإعادة البنية التحتية. إنَّ هذا الحدث المهم جاء نتيجة للجهود السياسية والدبلوماسية لدول مجلس التعاون الخليجي وخاصَّة السعودية ممثلة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان، التي تُمثّل الركيزة الأساسية للأمن القومي العربي والخليجي.
لكن وأمام تعنُّت الحوثيين ومن ورائهم إيران ورفضهم الوصول إلى مخرج حقيقي للأزمة، حيث يستمرون في رفض المشاركة في أي عملية سياسية، ولا يقبلون بأي تسوية سلميَّة يمكن أن تحدَّ من تسلُّطهم وهيمنتهم على هذه الأجزاء من اليمن، يُطرح التساؤل حول مدى دور المجتمع الدولي في الضغط على الحوثي وإجباره على القبول بنهج السلام والتخلي عن مشروعه الأيديولوجي الذي لا يؤمن بمبدأ الخيارات السياسية.
إنَّ المجتمع الدولي مطالب اليوم باتِّخاذ مواقف أكثر حزمًا وقوَّةً، تبدأ أوَّلًا بإعادة إدراج الحوثيين على لائحة المنظمات الإرهابية، وثانيًا اتِّخاذ قرار في مجلس الأمن وفقًا للبند السابع بوقف العمليات العسكريَّة وإنهاء الحرب، وإنشاء تحالف دولي قادر على إحداث تغييرات ميدانية لإلزام الحوثيين بالمشاركة بإيجابية في كلِّ المفاوضات، واحترام كل المبادرات والاتفاقيات وقرارات مجلس الأمن. كما على المجتمع الدولي، وفي مقدِّمته الولايات المتحدة الأمريكيَّة والمنظمات الدوليَّة، التعامل بمسؤولية مع الانتهاكات الإيرانية البشعة لعدد من الدول العربية، ومع مشاريع النفوذ والتسلّط التي أدَّت إلى تقويض الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني في منطقة الشرق الأوسط، واعتبار استقرار هذه المنطقة جزءًا أساسيًّا من الاستقرار الدولي على كلِّ الأصعدة.
وختامًا.. ولئن تأكّدت، من خلفيات جماعة الحوثي الإرهابية وتاريخها الطويل في انتهاك الاتِّفاقيات والقرارات الدوليَّة، القناعة بعدم جدوى الاتِّفاقيات السياسية مع الحوثي، فذلك لا يمكن أن يؤدي إلى الإيمان بجدوى الحرب والحل العسكري، بل إنَّ الإيمان راسخ بأنَّ اليمن سينتصر في نهاية المطاف على الإرهاب الحوثي وذلك عبر المشاورات والتفاعلات والحل السياسي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: