المقالات

الصعود إلى قمة كلمنجارو

بالعلمُ وليس بغيره ارتقت الأمم وعلا شأنها، وبه شُيِّدت الحضارات واستعانت على بقائها، وبه انتفعت البشرية وَصَحَتْ من الأوبئة وفتك الأمراض، وبه سُخِّرت وسائل وتقنيات عملاقة ومذهلة لخدمة البشرية، وبه وصل القاصي ودنا البعيد؛ فكان العلم وسيظل سلمًا للوصول إلى أبعد من قمة كلمنجارو، العلم وحده هو من دفع بالعلماء لتسلق القمة؛ التي كلما ارتفعوا فيها عرفوا قدر جهلهم بقدر ما ينتظرهم من مسافات طويلة لبلوغ ذروة عليائها.
وخير مثالٍ على ذلك الأزمة الاقتصادية التي يُعانيها العالم اليوم؛ إذ لازال تأثير جائحة كورونا قائمًا على أغلب جوانب الحياة؛ وإن كان بدرجات متفاوتة، فالتأثيرات الاقتصادية من خسائر وأرباح مفقودة في قطاعات الأعمال التي لها علاقة بالتنقل والسياحة والترفيه كانت هي الأشد، بل واستنزفت الكثير من عزيمة ووقود الصعود إلى القمم، ولم يكن قطاع التعليم العالي في مأمنٍ من ذلك.
ولأنَّ الجامعات إحدى أنساق التعليم العالي في المملكة العربية السعودية وأهمها فقد شملتها الدولة بالدعم السخي؛ لإدراكها الدور الكبير والمحوري الذي تقوم به في تزويد المجتمع بكافة احتياجاته من الكفاءات البشرية في مختلف التخصصات التي تحتاجها الدولة لتنفيذ خططها التنموية، واستأثرت الجامعات بميزانيات ضخمة؛ لتمويل برامجها، وتأمين احتياجاتها المختلفة، وهذا التمويل يقتص جزءًا كبيرًا من الميزانية العامة للدولة، ويخضع هذا التمويل واستمراريته للتغيرات التي تطرأ على أسعار النفط؛ حيث تمثل إيراداته الجزء الأكبر لميزانية الدولة، وفي حال تقليص التمويل الحكومي للجامعات لأي سبب سينعكس ذلك على قيام الجامعات بأدوارها في المساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وربما إلى ضَعْفٍ في كفاءة المخرجات التعليمية، خاصة وأن الاعتماد على النفط كمورد يُعَدُّ بمثابة ناقوس خطرٍ؛ إذ إنَّ المؤشرات العالمية تدلُّ دلالةً واضحةً على نضوب هذا المنجم، بل إنَّ دول العالم أصبحت تتّجه نحو الطاقة النظيفة؛ مما يعني تلاشي الطلب عليه، وقد بدأت تتضخم أزمات اقتصادية وتتشكَّل بوتيرةٍ سريعةٍ؛ ابتداءً بجائحة كورونا، وانتهاءً بتداعياتها على الاقتصاد، ومرورًا بما صاحب ذلك من شُحٍّ في الموارد، وانخفاضٍ في أسعار النفط، جعل الاقتصاد السعودي يسير بخطى متثاقلة، في مُنْعَطَفٍ خطيرٍ، وأصبح الخوف على مستقبل التعليم الجامعي حاضرًا في ذهن القيادة الحكيمة، فقد لاحظت أنَّ هذه الأزمة الاقتصادية قد تقلل من الإنفاق والتمويل الحكومي على التعليم بشكلٍ حادٍّ، فضلًا عن خطورة تدني رواتب الكادر التعليمي، وهذا سيخلق ضعفًا ووهنًا في الأداء التعليمي، وكان شبح العودة لنقطة الصفر في التعليم يُثير رعبًا حقيقيًا، لا سيما بعد التقدم الكبير فيه.
في ظلِّ هذه البيئة الصعبة… ماهي توقعاتنا في التعليم الجامعي؟ وماهي أبرز تحديات تنويع مصادر تمويل التعليم الجامعي؟ وما هي الفرص التي يمكن أن نغتنمها لتطوير التعليم الجامعي؟ وكيف يستجيب صنَّاع السياسات لها؟
وفي ضوء المتغيرات الاقتصادية التي تمرُّ بها المملكة العربية السعودية في الوقت الحاضر فإنَّه لا يمكن الاستمرار في نمط التمويل ذاته، باعتماد الجامعات السعودية في تمويلها على الحكومة كمصدرٍ أساس، بل إنَّ إصلاح التعليم الجامعي يبدأ من تنويع مصادر تمويله، وكفايتها؛ لتحقيق الأهداف، وتنفيذ الخطط الرامية إلى استمرارية التعليم بالجودة المطلوبة؛ شرط أنْ يتمتع هذا التمويل بالاستمرارية، والتصاعدية؛ حتى يفي بالاحتياجات المتزايدة للخدمات التعليمية.

لذا فقد بدأت ورش العمل تنعقد هنا وهناك، وطغى استنفارٌ على جميع المستويات؛ لتحويل هذه المحنة إلى منحة، فكان التوجه نحو الاستقلالية المنضبطة في الجامعات السعودية، وتطبيقها على ثلاث جامعات سعودية هو أولى خطوات الصعود إلى قمة جبل التحدي، والتربع على مستوى قمته؛ بعد الإفادة من تجارب الدول الرائدة في مجال تنويع مصادر تمويل التعليم الجامعي، في كيفية التغلب على الأزمات الاقتصادية، فخرجنا بتحولٍ كبيرٍ وتغييرٍ جذريٍّ في مصادر التمويل، وتمخَّض عن ذلك كله مصادر متنوعة كالمشاركات المجتمعية، والجامعات المنتجة، والرسوم الدراسية على برامج الدراسات العليا، وغير ذلك من المصادر التي ساهمت بشكلٍ عامٍّ في تنويع مصادر تمويل التعليم الجامعي، بل وجعلت الاعتماد على الميزانية العامة في التعليم الجامعي يأتي بنسبةٍ قليلةٍ جدًا مقارنةً بالأعوام السابقة، وعلى ضوء ذلك أصبح اسم الوطن يُذكر في مصاف الدول المتقدمة؛ برايةٍ عاليةٍ خفَّاقة، في جانبها الأيمن كلمة التوحيد، وفي جانبها الأيسر جملة من القاع إلى الأصقاع، وهكذا هي بلادي التي نهضت من قاع الأمية واقتصاد ضعيف إلى قمة كلمنجاروا باقتصاد عظيم وعالٍ، وأصبحت نبراسًا ودليلًا يُقْتَدى به شعارها همَّة حتَّى القمَّة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: