آراء متعددةحوارات خاصة

الدكتور عبدالرحمن الخليفي في حوار مع “مكة”: سر السعادة في قضاء حوائج العباد.. وفقد الوالدين أكبر خسارة للإنسان

(مكة)- حوار- عبدالرحمن الأحمدي

يعتبر الدكتور عبدالرحمن بن عبدالله الخليفي عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى، وعميد المعهد العالي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السابق، من الشخصيات التي تحوي مسيرتها العديد من الخبرات والتجارب في مكة المكرمة بشكل خاص، والمملكة بشكل عام، لذلك سعت “مكة” الإلكترونية للاطلاع على تجاربه في الحياة العملية والمجتمعية حتى تكون موضع استفادة للجميع، فكان الحوار التالي:

قدّم نفسك للقراء كما تحب.

أنا محبكم د. عبدالرحمن بن عبدالله الخليفي عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى، عميد المعهد العالي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سابقاً، وإمام وخطيب جامع والدي الشيخ عبدالله الخليفي -رحمه الله- بحي العزيزية بمكة المكرمة،

** لمن يسأل عنكم أين تتواجدون في رحاب هذه الدنيا؟ وكيف تقضون أوقاتكم؟
_أوقاتي مصروفة ما بين العمل في الجامعة وخدمة جامع والدي والإمامة والخطابة فيه.

** ما الذي يشغل اهتمامكم في هذا الوقت الحاضر؟
_تشكل أسرتي المحور الأساس في حياتي ولأجلها أصرف جل اهتمامي، وأبذل كل وسعي وجهدي لتوفير سبل النجاح والسعادة والاستقرار لكل فرد من أفرادها، والتوفيق قبل هذا وبعده من الله عز وجل: ﴿ وَما تَوفيقي إِلّا بِاللَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وَإِلَيهِ أُنيبُ﴾.

** الحكمة خير من الله يؤتها من يشاء.. كيف تعرفون الحكمة من وجهة نظركم؟
_الحكمة كما عرفها أهل العلم: (فعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي)، والحكمة خير وبركة من الله تعالى على من يشاء من عباده: ﴿يُؤتِي الحِكمَةَ مَن يَشاءُ وَمَن يُؤتَ الحِكمَةَ فَقَد أوتِيَ خَيرًا كَثيرًا﴾، ولذلك نجد أن الشخص الحكيم هو الذي تكون مواقفه وقراراته في الغالب في حقل الصواب لأنه على نور وبصيرة من الله سبحانه.

** ما بين حكمة الشيوخ وهمة الشباب أيهما أقرب برأيكم.. ثمة اتفاق أو فجوة اختلاف؟
_حكمة الشيوخ نتاج التجارب التي مر بها الإنسان في هذه الحياة، وعندما تجتمع هذه الحكمة مع همة الشباب ستكتمل المعادلة وتكون النتائج إيجابية بحول الله سبحانه.

** هل الإنسان في هذا العالم ضل طريق الحكمة؟ وهل بالجملة تنقصه الحكمة؟
_إن دين الإسلام لم يدع صغيرة ولا كبيرة من حياة الناس إلا ووضع الدواء الناجع والحكم المناسب لها، فحيثما اتجه الإنسان يجد له هداية ورشداً في دين الإسلام يضبط مسار اتجاهه، ويصلح من واقع حاله، كما قال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشقى﴾.

** في حياتنا مراحل إنسانية مختلفة.. من مرحلة الضعف إلى مرحلة القوة وهكذا.. ماذا تتذكرون من وقائع في ثنايا المراحل؟
_إن الزمن هو حياتنا، وفي فلكه تدور أعمالنا، وفي دائرته نتقلب أطواراً من الطفولة إلى مرحلة الصبا إلى الشباب ثم الشيخوخة، وفي هذه المراحل تمر على الإنسان ذكريات يظل الأجمل منها ما مر عليه في مرحلة الطفولة، بلحظاتها وأيامها الجميلة والبريئة.

** ما بين الربح والخسارة أو الخسارة والربح كيف تصفون أصعب المشاعر وأجملها؟
_من أصعب المواقف وأشدها وطأة على النفوس عندما يفقد الإنسان والديه، فهذه خسارة ويا لها من خسارة، فهو يفقد تلك الدعوات الصادقة التي كان ينعم بها في ظل والديه، والربح الحقيقي والمكسب الذي يتحقق للإنسان في الدنيا قبل الآخرة دعوة صالحة تنطلق من أعماق صادقة من والد أو والدة تفتح له أبواب التوفيق والنجاح والفلاح، فدعوة الوالد لولده من الدعوات المستجابة.

** الحزن سمة إنسانية ثابتة هل احتجتم له يوما ما.. وما هي أقسى لحظات الحزن التي مرت بكم؟
_الحزن من المشاعر التي لا تنفك عن الإنسان في المواقف المؤلمة، ولا شك أن فقد الوالدين من أشد اللحظات المحزنة، وذلك لما لهما من فضل كبير بعد الله على الأولاد.

** التوفيق والسداد هبة من الله تعالى.. ما هي أكثر المواقف التي مرت بكم توفيقاً وسداداً؟
_التوفيق والإعانة هبة من الله سبحانه، والإنسان لا يمكن أن يصل إلى ما وصل إليه من أمور الدنيا إلا بتوفيق الله وإعانته، ويدخل في ذلك إكمال الدراسة والوظيفة والترقي في المناصب الإدارية: ﴿وَما تَوفيقي إِلّا بِاللَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وَإِلَيهِ أُنيبُ﴾.

** بماذا نربط الحياة السعيدة من وجهة نظركم الشخصية؟
_السعادة الكل يبحث عنها، منهم من حصرها في المال ومنهم من حصرها في المنصب والجاه وغير ذلك، لكن السعيد حقاً من أدخل السعادة في قلوب العباد وسعى في قضاء حوائجهم، وخصص جزءًا من وقته في التطوع وخدمة المجتمع.

** هل نستطيع أن نعتبر السعادة أسلوب حياة؟
_بالتأكيد، وذلك عندما تكون السعادة نابعة من داخل الشخص وإيمانه العميق بأن الله تعالى هو المدبر لأموره وأن الأرزاق بيده سبحانه، وهذا يجنبه الانسياق المحموم وراء الرغبات واللذات.

** متى يصل الإنسان إلى محطات النجاح؟
_الوصول إلى محطات النجاح ومراقي الفلاح لا يأتي من فراغ، بل لابد من جد ومثابرة وصبر ومصابرة وتحديد الأهداف بدقة، وقبل هذا كله أن يسأل الإنسان خالقه ومولاه العون والتوفيق: «وإذا لم يكن للفتى عون من ربه فأول ما يقضي عليه اجتهاده».

** ومتى تتوقف تطلعاتنا في الحياة؟
_التطلعات التي يسعى الناس لتحقيقها في هذه الحياة تختلف من شخص لآخر وكل بحسب قدراته وإمكاناته، والإنسان الحصيف الراشد يجب أن يرفع من سقف طموحاته وتطلعاته وأن يبذل ما في وسعه للوصول إليها، وأن يتخذ القدوات الناجحة في هذا المجال، وأن يبتعد عن القرارات الارتجالية والعشوائية حتى يستطيع إكمال المسير في هذا المسار بدون توقف.

** في الأغلب ننصف الإنسان بعد رحيله من دنيانا.. متى ينصف هذا الإنسان قبل أن يرحل؟
_عندما يكون الإنصاف والتكريم للأشخاص ذوي الأثر الإيجابي في المجتمع حال حياتهم، فهذا أفضل من أن يكون بعد مماتهم، لأن ذلك سينعكس عليهم وعلى أسرهم والشعور بالرضا عندما يرى الإشادة برحلة البذل والعطاء وهو على قيد الحياة، وهذا بخلاف ما لو كان التكريم بعد الوفاة، وفي كل خير.

** في الاستشارة.. من يستشير ضيفنا الكريم في مواقفه الحياتية المختلفة؟ ولماذا؟ وما هي أهم استشارة مضت؟
_استشارة أهل الخبرة الذين مروا بتجارب الحياة أمر طيب، وما خاب من استخار، وما ندم من استشار، بل إن الاستشارة منهج القرآني عندما خاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿وَشاوِرهُم فِي الأَمرِ فَإِذا عَزَمتَ فَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلينَ﴾.

** متى غض النظر ضيفنا في المواقف المصاحبة له؟ وهل تذكرون بعض هذه المواقف؟
_قد يواجه الإنسان في حياته اليومية بعض المواقف المحرجة، والموفق هو الذي يتعامل معها بما يناسبها، ولا يزال التغافل عن الزلات من أرقى شيم الكرام، ونحن اليوم بحاجة إلى هذا الخلق الكريم أكثر من أي وقت مضى خصوصاً في التعامل مع الشباب؛ حتى نكسبهم ونوجههم الوجهة الصحيحة وبطريقة محببة إلى نفوسهم.

** هل ندمتم على سكوتكم يوماً؟ ومتى ندمتم على بعض كلامكم؟
_السكوت في وقته من الخصال المحمودة وبالمقابل أيضاً فإن النطق في موضعه من أشرف الخصال، فليس الكلام مأموراً به على الإطلاق ولا السكوت كذلك، وبين هذا وذاك ينبغي على الإنسان أن يعرف متى يتكلم في المواضع التي يحسن الكلام فيها، ومتى يسكت في المواضع أو المواقف التي يحسن السكوت فيها حتى لا يندم، وكما قال بعض السلف: (التكلم بالخير خير من السكوت عنه، والصمت عن الشر خير من التكلم به).

** في وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة أحاديثنا تختلف عن واقعنا.. إلى أي مدى صحة هذه الجملة؟
_هذه الجملة تعكس الواقع الحاصل في وسائل التواصل الاجتماعي إلى حد كبير، وغالب ما يطرح في هذه الوسائل لا يمثل حياة الناس الحقيقية.

** في حياتنا اليومية هل افتقدنا حقيقة إلى الإنسان القدوة؟
_القدوات الصالحة في مجتمعنا موجودة ولله الحمد، ولكنها في الغالب لم تحظ بإبراز إعلامي يليق بها.

** الأبناء في الوقت الحالي هل يحتاجون إلى الرأي والمشورة منا؟ وهل المسافات بعدت بيننا وبينهم؟
_نعم، الأبناء في هذا الزمان هم بحاجة ماسة إلى الرأي والمشورة أكثر من أي وقت مضى، خصوصاً مع كثرة مصادر التلقي والبرامج التي توفرها وسائل التقنية الحديثة، وهذا يتطلب من الآباء العمل على تقريب المسافة فيما بينهم وبين الأبناء.

** الدنيا طويت على غرور.. متى وجدتم هذه العبارة ماثلة أمامكم؟
_لقد أوضح الله لنا حقيقة هذه الدنيا بقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّ وَعدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنيا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الغَرورُ﴾ ، وهي بالفعل طبعت على غرور وكدر، والناس يغادرون منها ولا يحملون من متاعها ومتعها الزائلة أي شيء، ومن الحكمة ألا نجعل الدنيا أكبر همنا.

** من أنبل الناس في رأيكم؟
_النبل صفة جميلة تلازم الكرام، والشخص النبيل محبوب بين الناس؛ لأنه يسعى في قضاء حوائجهم، وخدمتهم والوقوف معهم في أفراحهم وأتراحهم، والمواقف النبيلة تسطر بماء الذهب، وتسجل أسماء أصحابها في صفحات التاريخ، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.

** المحبطون هم أشد الناس تعاسة.. هل صادفتم هذه الفئة؟ وكيف تعاملتم معها؟
_نقابل في حياتنا أنماطاً مختلفة من الشخصيات، لكن تظل الشخصية المحبطة من أصعب هذه الأنماط من حيث التعامل معها، فالأشخاص المحبطون لديهم قدرة كبيرة في تثبيط همة الإنسان وإطفاء حماسه وعزيمته، ومن الحكمة هنا أن يصحب الشخصيات الإيجابية والمتفائلة التي تعينه على البر والتقوى.

** هل ندمتم يوماً في النقاش مع أصحاب الوعي والإدراك؟ وهل ندمتم في النقاش مع غيرهم؟
_ النقاش عندما يكون في مساره الصحيح القائم على الحوار الهادئ والاحترام المتبادل، والبعد عن التعصب والهوى، فإنه سيوصل بحول الله إلى نقاط اتفاق كثيرة، واختلاف الآراء ليس بالضرورة شيئاً سلبياً، بل قد يكون صحياً، خصوصاً عندما يتم النقاش بين أطراف واعية لديها من الإدراك ما يوصلها للحقيقة بعيداً عن التعصب والجدال المذموم.

** هل من كلمة أخيرة لضيفنا الفاضل؟
_أشكركم على هذه الاستضافة، وأسأل الله لي ولكم وللجميع التوفيق والفلاح، وأن يديم علينا قيادتنا وأمننا واستقرارنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى