من المسلّم به عدم ذكر الناس أحياءً أو أمواتٍ بسوء، كما أنه من المسلّم به ألا يخلو أي إنسان من عيوب شخصية أو من ارتكاب أخطاء عابرة، ولذلك كان العتب بين الناس قائمًا حتى تصفو النفوس وتسمو، والأجمل الاستغفار من الذنب.
ولكن في هذا الشأن تحديدًا أؤكد على عدم ذكر شيء من سيرة الميت بأي حال من الأحوال، وهنا أقصد ما كان عليه من بعض الهفوات الماضية في تصرفاته اليومية؛ فكلنا ذلك الرجل، وهو الآن في رحمة الله تعالى، لأنه: «قد أفضى إلى ربه سبحانه». وللأسف يتناول بعض الأحياء سيرة بعض الأموات بسوء، سواء عن واقعهم السابق في حياتهم الاجتماعية أو الشخصية أو حتى الوظيفية.
ففي الغالب، بعد أن يبدأ الكلام بالثناء والمدح على الميت وما كان عليه من أفعال طيبة قدمها لمن كان حوله، تأتي بعد ذلك جملة: (بس الله يرحمه)، وهنا تتوالى الأحاديث البغيضة تجاه شخصه، وزيادة في ذكره بسوء تُستكمل بالتندر على بعض مواقفه، سواء كانت بقصد أو بدون قصد.
وفي الحقيقة، في حال عُرضت سيرة الميت لأي سبب من الأسباب، سواء في وسائل التواصل الاجتماعي أو في المجالس العامة أو الخاصة وغيرها، وتم التعرض لمساوئه عبر مواقف طارئة أو أحداث حياتية عارضة — وهي من الطبيعي أن تحدث من أي إنسان، فلا أحد معصوم من الزلل مهما كان — فهنا تكمن المشكلة؛ فلا الميت يستطيع الرد عن نفسه على تلك التهم، سواء كانت صحيحة أو غير صحيحة، وفي الوقت نفسه لا يستطيع المُغتاب أن يستسمح من الميت بطلب العفو والصفح منه؛ فقد رحل، ولا حتى يستطيع طلب ذلك من أبنائه، فيكون الموعد المنتظر يوم القيامة بين يدي العدل العزيز المنتقم سبحانه ليحكم بينهما.
فماذا استفاد المُغتاب من ذنب كان بإمكانه عدم الوقوع فيه أصلًا من خلال الخوض في سيرة الميت؟ وعلى أي حال، عند الله تجتمع الخصوم في المظالم كافة، وعندها لا ينفع الندم ولا تنفع الحسرة، فقد حان موعد الحساب.
إن من المؤكد أن في هذه الدنيا ابتلاءات كثيرة يُبتلى بها الإنسان المسلم، وهي حكمة قدرها الله تعالى، ولعل منها ذكر بعض الناس مساوئ بعض الأموات في العلن. والناس شهود الله في أرضه حين سماعها.
ولكن في واقع يوم القيامة لا يحتاج الإنسان إلى شهادة الشهود ليؤكدوا ما حدث من تجاوزات؛ فسوف يشهد حينها اللسان واليد والقدم والجلود على كل ما اقترفه الشخص في حق نفسه أو في حق الآخرين من اعتداءات ظالمة، سواء كانت بسبب جهل أو حقد أو حسد أو غيره.
وقد أوصى ديننا الحنيف بذكر محاسن الموتى والكف عن ذكر المساوئ، لما فيه من أذى عظيم للميت، بل ولمن له صلة رحم من الأحياء، والتي تؤدي بطبيعة الحال إلى البغضاء والشحناء بين أفراد المجتمع.
ففي حديث تحكي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنه: «ذُكِر عند النبي صلى الله عليه وسلم هالك — أي شخص ميت — بسوء، فقال صلى الله عليه وسلم: لا تذكروا هلكاكم إلا بخير». أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
وفي العموم، من المفترض ألا تُنتهك حرمات أي أحد من الموتى بذكر مساوئهم، بل يُفترض أن تُذكر محاسنهم بين الناس، وهذا أقل الواجب بين كل مسلم ومسلم. فمن يتحدث اليوم عن ميت بسوء، سوف يُتحدث عنه أيضًا بسوء حال رحيله؛ فالجزاء من جنس العمل، والسعيد من اتعظ بغيره.






