المقالات

الحياة جامعة.. تعلّموا منها الدروس

Wait! Generating MP3 Batch No. 1 out of 16

في خضم مسيرتنا اليومية، ومع تعاقب الأيام والمواقف والتجارب، نكتشف أن الحياة ليست مجرد وقت نمضيه أو أحداث نعيشها، بل هي جامعة كبرى تدرّسنا بطريقتها، وتلقننا دروسًا لا تُنسى، بعضها يأتي بلطف، وبعضها يأتي بقسوة، لكنها في النهاية تصنع فينا الوعي وتكوّن شخصياتنا، وتمنحنا من الحكمة ما لا تكتسبه من صفحات الكتب وحدها.فكم من موقف صعب مرّ بنا، فظنناه نهاية الطريق، ثم اكتشفنا لاحقًا أنه كان البداية الحقيقية للنضج والنجاح؟ وكم من خطأ ارتكبناه، فندمنا عليه، لكنه أصبح سببًا في يقظتنا وتغيير مسارنا؟ هذه المواقف ليست عبثًا، وليست مجرد عثرات، بل هي محاضرات مركزة في جامعة الحياة، يجب أن نصغي إليها ونتعلّم منها، لا أن نغفلها أو نكررها، فالتجارب التي نمر بها، سواء كانت مفرحة أو موجعة، هي دروس حقيقية لا تُقدّر بثمن. فالنجاح يعلمنا الثقة، والفشل يعلّمنا المثابرة، والخسارة تُربّينا على التواضع، أما الأخطاء فتصنع فينا الوعي إذا تأملناها وتعلّمنا منها. المؤلم حقًا أن يمر الإنسان بموقف صعب، ثم يخرج منه كما دخل، دون إدراك أو وعي أو عبرة. ليس من العيب أن نستلهم من تجارب الآخرين، بل هو عين الحكمة، فقد قيل: “السعيد من اتعظ بغيره، والشقي من اتعظ بنفسه”. فالتجارب الإنسانية متشابهة في جوهرها، والتاريخ يعيد نفسه في صور شتى، ولذلك من الحكمة أن نقرأ حكايات من سبقونا، وأن نُصغي إلى كبار السن وأصحاب الخبرات، وأن نحترم الألم الذي مروا به، لا أن نُعيد إنتاجه في حياتنا. إن تقوقع الإنسان على نفسه، ورفضه الاستفادة من تجاربه أو تجارب غيره، هو حرمان للنفس من أعظم مصادر التعلم. والمكابرة التي تمنعنا من الاعتراف بالأخطاء، لا تترك لنا فرصة للتحسن، بل تُبقينا أسرى الجهل والعناد، بينما العقلاء هم أولئك الذين يحوّلون الألم إلى أمل، والتجربة إلى علم، والخطأ إلى جسر عبور للنجاح.
بطبيعة الحال ، كل فرد منا يحمل سجلًا شخصيًا حافلًا بالمواقف والتجارب التي لو كُتبت وسُردت لكانت دروسًا تستحق أن تُدرّس في الجامعات، لا لغرابتها، بل لواقعيتها وصدقها وتأثيرها. وبدلًا من أن ندفن هذه التجارب في الذاكرة، يجب أن نُخرجها، نُحللها، ونستلهم منها ما يُنير دروبنا ويهذب نفوسنا ويقوينا أمام التحديات. فلنتعامل مع الحياة كأعرق جامعة في العالم، ولنتخرج من كل مرحلة منها بدرجة أعلى من الوعي والنضج والفهم. ولنُدرك أن الدروس لا تأتي فقط من الكتب، بل من العثرات، من العلاقات، من القرارات الصائبة والخاطئة، من الأوقات الجميلة، ومن اللحظات العصيبة. فالحياة تُعلّمنا إن نحن أحسنا الإصغاء، وتُربّينا إن نحن قبلنا التغيير، وتُكافئنا إن نحن وعينا وتعلّمنا. فلتكن كل تجربة نخوضها فصلًا جديدًا من العلم، وكل موقف نمر به خطوة نحو الحكمة، ولنجعل من حياتنا قصةً ثرية تُقرأ وتُروى، ونفخر بها يومًا ما.

• أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود

د. تركي بن فهد العيار

أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى