المقالات

*مواقف السعودية مع الإمارات: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان*

في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه المواقف، تبرز الحاجة إلى التذكير لا بالتاريخ فحسب، بل بالثوابت التي صنعت هذا التاريخ. فحين تُثار الزوابع، ويعلو ضجيج اللحظة، يصبح من الحكمة أن نعود إلى الجذور، إلى ما جمعنا لا ما فرّقنا، إلى ما بُني على المحبة لا على المزايدة.

اليوم، وبينما تتباين المواقف وتُختبر العلاقات، لا بد من وقفة تأمل في سجلٍ حافل من المواقف المُشرفة التي سطّرتها المملكة العربية السعودية، لا طلبًا للثناء، ولا سعياً للمنّ، بل وفاءً للحقيقة، وتذكيرًا لمن نسي، أو جهل، أو غلبه الانفعال.

*حين كانت المنطقة على شفا جُرف هار*

في يناير 1968، أعلنت بريطانيا انسحابها من الخليج العربي، في وقت كانت فيه المنطقة العربية تعاني من ويلات الحروب والانقلابات. كان الفراغ مخيفًا، والأطماع الخارجية تتربص، والتيارات الهدامة تتسلل. في تلك اللحظة، لم تتردد المملكة، بقيادة الملك فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله، في مدّ يد العون، لا من باب الوصاية، بل من باب الأخوّة والمسؤولية.

*المملكة والكويت… شريكان في البناء*

سارت المملكة والكويت جنبًا إلى جنب، في مساعٍ دبلوماسية حثيثة لتقريب وجهات النظر بين مشيخات الخليج، ودعم مشروع الاتحاد الذي أصبح لاحقًا دولة الإمارات العربية المتحدة. شاركتا في لجان تقصي الحقائق، وقدّمتا الدعم السياسي والاقتصادي، واستقبلتا الوفود، واحتضنتا الحوارات، ودفعتا باتجاه الوحدة، لا التفرقة.

*مواجهة الأطماع الخارجية*

لم تقتصر الجهود على الداخل الخليجي، بل امتدت إلى الساحة الإقليمية. ففي أبريل 1965، أعلن وزير خارجية إيران، تجاوبًا مع خطاب الملك فيصل، أن بلاده “لا تطمع في الخليج العربي”، في خطوة تعكس نجاح الضغط الدبلوماسي السعودي في تحجيم التهديدات الإيرانية.

*سياسة ثابتة: الدعم دون التدخل*

منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه، والمملكة تنتهج سياسة ثابتة، شعارها “نساعد ولا نتدخل”. وقد عبّر السفير منصور الرميح رحمه الله، ممثل المملكة في لجنة الخليج العربي، عن هذا المبدأ بوضوح حين قال: “نعمل على رفع مستوى أبناء الخليج دون أدنى تدخل في شؤونهم الداخلية”. إنها سياسة الاحترام، لا الإملاء. الدعم، لا التوجيه.

*الإمارات في القلب*

لم تكن الإمارات يومًا خارج حسابات المملكة، بل كانت في القلب. من استقبال ولي عهد رأس الخيمة في الطائف الشيخ خالد بن صقر القاسمي رحمه الله، إلى جولات الشيخ صباح الأحمد رحمه الله في الإمارات حاملاً رسائل دعم، كانت المملكة حاضرة، بجهدها، وحنكتها، وحرصها على وحدة الصف الخليجي.

*التذكير ليس تأنيباً*

إن التذكير بهذه المواقف ليس تأنيباً، ولا استدعاءً لجميل، بل هو دعوة للإنصاف، ولإعادة قراءة المشهد بعينٍ ترى الصورة كاملة، لا مجتزأة. هو نداء للعقلاء، ولمن يعتز بالروابط الخليجية، أن لا يسمحوا للغضب أو الجهل أو التحريض أن يُطفئ نور الأخوّة، وأن يتذكروا قوله عز وجل وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان .

*همسة ختام*
في زمن التوترات، تزداد الحاجة إلى صوت الحكمة. والمملكة، بتاريخها ومواقفها، لم تكن يومًا إلا سندًا وحصناً منيعاً لأشقائها، في الخليج، وفي العالم العربي والإسلامي. ومن أراد أن ينفخ في الرماد، فليعلم أن نار الفتنة لا تُبقي ولا تذر، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله . أما من أراد البناء، فسيجد في ذاكرة التاريخ ما يعينه على التبصّر، وفي مواقف المملكة ما يبعث على الطمأنينة.
من إغاثة للملهوف، ونصرة للمظلوم، ومساعدة للمحتاج، وستبقى بفضل الله بيتاً للحكمة وواحة أمن وصمام أمان .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى