ما وراء التاريخ
يخطئ من يقرأ “يوم التأسيس” بوصفه مجرد ذكرى سنوية، أو نقطة على خط الزمن. الحقيقة الأعمق أنه “الشيفرة الوراثية” للشخصية السعودية. ففي وقت كانت فيه خرائط المنطقة تُخطّ بيد الغازي أو تُرسم على موائد المستعمر، كان الإمام محمد بن سعود يكتب التاريخ بقلم من الداخل؛ من رحم النخيل، ومن صلابة حجر الدرعية، ليضع اللبنة الأولى لكيانٍ عصي على الذوبان، جذوره ضاربة في الأرض وفرعه عالٍ في السماء.
أولاً: فلسفة “الأمة”.. عندما يصبح الانتماء عقداً وليس نسباً
لقد وضع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -أيده الله- النقاط على الحروف حينما أسس لهذا المفهوم الجامع، مؤكداً أن الاستمرارية السعودية نابعة من شمولية الفكرة لا فئويتها، بقوله:
“قامت هذه الدولة على العقيدة الإسلامية، ولم تقم على عصبية قبلية أو إقليمية أو فكر ضيق.”
في هذا السياق، نستلهم المعنى الحقيقي ليوم التأسيس. فالسعودية لم تُخلق لتكون دولة لقبيلة بعينها، بل وُلدت كفكرة “أمة” تستوعب الجميع، وتصهر الانتماءات الضيقة في بوتقة هوية وطنية واحدة. الإمام محمد بن سعود لم يجمع الناس في 1727م تحت راية “النسب”، بل تحت راية “الدولة والمواطنة”. لقد حوّل الدرعية من واحة وسط الجزيرة العربية إلى “مختبر للكرامة” الإنسانية، وإلى مشروع حضاري قائم على العدل والوحدة، وهو ما يفسر سر بقاء هذه الدولة وتجددها رغم التحديات على مدى ثلاثة قرون.
ثانياً: العمق الاستراتيجي.. سيادة لا تُستدان
الاحتفاء بيوم التأسيس هو احتفاء بالسيادة وتأصيل لشرعية الجذور. نحن لا نحتفل بلحظة بداية فحسب، بل نحتفل بقدرة هذا الكيان على بناء نفسه بنفسه، في زمن كانت القوى العظمى تتقاسم فيه النفوذ وتخطّ الحدود. كانت الدولة السعودية الأولى تبني نظاماً اقتصادياً مستقلاً، تؤمن قوافلها، وتنظم مواردها المائية والزراعية، وتؤسس لدولة قانون تحكمها مبادئ الشريعة. هذا العمق التاريخي هو الذي يمنحنا اليوم تلك الثقة الاستثنائية؛ فنحن أبناء دولة تمتلك “ذاكرة سياسية” مستقلة، ووعياً ذاتياً تشكل عبر القرون، ولم يكن يوماً مشروعاً مستورداً من الخارج.
ثالثاً: من الدرعية إلى نيوم.. وحدة الجوهر وامتداد المشروع
ثمة “خيط ذهبي” يربط بين إصرار المؤسس الأول وطموح رؤية 2030، وهو ما يجسده قول الملك سلمان: “إن هذه الدولة منذ تأسيسها، وهي تعمل على عمارة الأرض وبناء الإنسان.” هذا الخيط هو استمرارية المشروع الوطني:
من الأمن إلى الاستقرار العالمي: إن تأمين القوافل وطريق الحج في عام 1727م، كان الهاجس الأول للدولة. واليوم، تتحول المملكة إلى “واحة استقرار عالمية” ومحور فاعل في حفظ السلم الدولي، في امتداد طبيعي لدورها التاريخي.
من النخيل إلى الذكاء الاصطناعي: بدأت التنمية بتطوير الزراعة في وادي حنيفة وتأمين موارد العيش. وتستمر اليوم ببناء مدن الذكاء الاصطناعي على شواطئ نيوم، وبإطلاق يدي رواد الفضاء من أبنائها إلى محطة الفضاء الدولية. إنها رحلة انتقال تاريخية من “بناء الدولة” إلى “قيادة العالم”.
ختاماً: السعودية التاريخ.. والمستقبل
يبقى يوم التأسيس تذكيراً خالداً بأن هذا الوطن لم يولد “صدفة” أو نتيجة “توازنات دولية” مؤقتة، بل كان ثمرة كفاح وطني خالص، صاغه رجال آمنوا بأن الوحدة هي قدر هذه الأرض، وأن المواطنة هي الجامع لكل أبنائها. إن الجذور التي تأسست لتكون وطناً للجميع، هي ذاتها التي تحمل اليوم ثمار “رؤية 2030″، مؤكدة للعالم أن السعودية ليست مجرد دولة عابرة في التاريخ، بل هي تاريخ حي يمشي بثقة ويصنع المستقبل بإرادة.






