المقالات

رمضان و فقر الامتنان

في زمنٍ تضاعفت فيه وسائل الراحة، وتقلّصت فيه المسافات بين الرغبة وتحقيقها، بات الإنسان يعيش وفرة لم تعرفها أجيال سابقة. التكنولوجيا تخدمه، والخدمات تحيط به، والخيارات تتزاحم أمامه في كل شأن من شؤون حياته. ومع ذلك، لا يوازي هذا الاتساعَ في الإمكانات اتساعٌ مماثل في الرضا. كأن كثرة المتاح لم تُثمر طمأنينة، بل أورثت انشغالًا دائمًا بالمزيد. نُحصي ما نفتقده بدقة، ونمرّ سريعًا على ما نملكه، حتى أصبح الامتنان قيمة مؤجلة في قلبٍ اعتاد النظر إلى الأعلى أكثر من التفاته إلى ما بين يديه.

وفي شهر رمضان المبارك، شهر الصيام والقيام، وشهر تهذيب النفس وتطهير القلب، تتجلى هذه المفارقة بوضوح أكبر. فنحن نمتنع عن الطعام والشراب ساعات طويلة، لا لأننا لا نملكه، بل لأننا نملك القدرة على تركه طاعةً لله. هنا فقط ندرك أن ما اعتدناه نعمة، وأن ما ألفناه عطاء عظيم. لقمة الخبز التي لم نكن نلتفت إليها، تصبح عند الإفطار بهجة. جرعة الماء التي نشربها دون تفكير، تتحول إلى لحظة امتنان عميقة. وكأن الصيام يعيد ترتيب بصيرتنا قبل أن يعيد ترتيب يومنا.

ليست العلّة في قلّة العطاء، فالنعم مبسوطة، والأرزاق مقسومة بحكمة، ولكنها في قلبٍ انشغل بعدّ المفقود عن شكر الموجود. حين يتحول نظر الإنسان إلى ما ينقصه، يعمى عن رؤية ما يملكه. وحين يقيس حياته بما في أيدي الآخرين، يفقد القدرة على الاستمتاع بما في يده. الفقر ليس فقر اليد، بل فقر الامتنان؛ فكم من إنسان يملك القليل لكنه ينام قرير العين، وكم من آخر يملك الكثير ولا يعرف طعم الرضا.

رمضان مدرسة الامتنان الأولى. فيه نتعلم أن النعم ليست في الكثرة، بل في الإحساس. نتعلم أن الصحة التي لا نشعر بها لأنها مستقرة، هي أعظم هبة. وأن العائلة التي تجتمع حول مائدة الإفطار، هي أمان لا يُشترى. وأن القدرة على السجود في هدوء الليل، نعمة لا يقدر ثمنها إلا من حُرمها. في هذا الشهر، تتكسر حدة الاعتياد، فنرى الأشياء بعين جديدة، ونشعر بما كنا نمرّ عليه مرور الغافلين.

العين التي لا ترى من الثوب إلا ثقوبه، لن تشعر يوماً بدفئه. وكذلك القلب الذي لا يرى من الحياة إلا نقائصها، لن يذوق حلاوتها. قد لا تكون حياتنا كاملة، ولن تكون كذلك أبداً، لكن الكمال ليس شرطاً للرضا، بل الامتنان هو الشرط. أن تقول “الحمد لله” بوعي، لا عادة؛ أن تستحضر النعمة في تفاصيل يومك الصغيرة؛ أن تدرك أن مجرد استيقاظك صباحاً فرصة جديدة، وأن قدرتك على الصيام والعبادة اصطفاء ورحمة.

ومن أعظم ما يعيد للقلوب توازنها في رمضان، العطاء. حين نعطي، نشعر بما لدينا. حين نمد يدنا لمحتاج، ندرك أن في أيدينا ما يمكن أن يُعطى. الزكاة والصدقة ليستا مجرد التزام مالي، بل تمرين روحي يعيد تعريف الغنى. الغنى الحقيقي أن يكون في قلبك يقين بالكفاية، وأن تشعر أن ما لديك يكفيك ويزيد عن حاجتك لتُسعد به غيرك. عندها فقط يتحول الشكر من كلمة تُقال، إلى سلوك يُعاش.

وقد ننسى أن من أعظم النعم نعمة الهداية. أن يبلغنا الله رمضان، وأن يفتح لنا أبواب الطاعة، وأن يلين قلوبنا للذكر والقرآن، كل ذلك عطاء يستحق شكراً لا ينقطع. كم من أناس كانوا معنا في رمضان الماضي، ثم غابوا هذا العام. وكم من قلوب تتمنى سجدة واحدة فلا تستطيع. استحضار هذه المعاني لا يدعو إلى الحزن، بل إلى وعي عميق بقيمة اللحظة التي نعيشها.

ليس المطلوب أن ننكر الألم أو نتجاهل الصعوبات، فالحياة دار ابتلاء، لكن بين الاعتراف بالمعاناة، والغرق في الشكوى مسافة وعي. يمكن للإنسان أن يتألم ويشكر في آن واحد، أن يسعى لتحسين واقعه وهو ممتن لما بين يديه. الشكر لا يعني الرضا بالجمود، بل يعني أن تنطلق نحو الأفضل من أرضية امتنان لا من هوة سخط.

فلنجعل من رمضان نقطة تحول، لا في عاداتنا الغذائية فحسب، بل في نظرتنا للحياة. لنجرب أن نعدّ نعمنا كما نعدّ همومنا. أن نكتب في كل يوم نعماً ثلاثاً نشكر الله عليها. أن ندرّب أعيننا على رؤية الضوء قبل الظل، والاكتمال قبل النقص. حينها سنكتشف أن كثيراً مما كنا نظنه عادياً، كان في الحقيقة استثنائياً.

في النهاية، ستظل الأشياء تتكاثر أو تتناقص، وستبقى الدنيا متقلبة، لكن القلب الشاكر ثابت. ومن تعلّم في رمضان أن يقول “الحمد لله” بصدق، سيحمل هذه الروح معه إلى سائر العام. فاجعلوا الشكر أسلوب حياة، لا موسماً عابراً، وتذكروا دائماً أن العين التي ترى دفء الثوب، ستجد في أبسط النعم سكينة لا تزول.

دمتم بخير، ودامت قلوبكم عامرة بالإيمان والامتنان.

د. عبدالعزيز بن عبدالله الخضيري

وزير الثقافة و الإعلام السابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى