المقالات

التحول الصحي وهندسة القرار

مع دخول التحول الصحي مراحل أكثر تعقيدًا، لم يعد التحدي محصورًا في استكمال بناء الهياكل أو استقرار النماذج التشغيلية، بل انتقل إلى مستوى أعمق وأقل وضوحًا: منطق القرار الذي سيدير هذه المرحلة. فالتحولات الكبرى غالبًا ما تنجح في إعادة ترتيب الأطر، لكنها تُختبر فعليًا عند اللحظة التي يتقاطع فيها التعقيد مع القرار، والسرعة مع المسؤولية، والتوسع مع المخاطر. المرحلة القادمة من التحول الصحي لا تشبه ما قبلها. هي مرحلة تتداخل فيها نماذج التشغيل، وتتسع فيها مساحات الخصخصة، وتتغير فيها علاقة الدور بالمسؤولية، وتصبح القرارات أكثر تشابكًا وأعلى أثرًا. وفي مثل هذا السياق، لا يعود كافيًا أن تكون الأنظمة مصممة بعناية، إن لم يكن القرار ذاته مُعاد التعريف. فأحد مواطن التعقيد الأكثر شيوعًا في مسارات التحول هو التعامل مع القرار بوصفه نتيجة نهائية، بينما هو في حقيقته بنية تفكير تُنتج هذه النتيجة.
هندسة القرار تبدأ حين يُعاد النظر إلى القرار على أنه مسؤولية نظامية تتجاوز الموقع الوظيفي، فالتحول الصحي، بوصفه قرارًا سياديًا، لا يُقاس فقط بسلامة صياغته أو وضوح رؤيته، بل بقدرة المنظومة الإدارية والتنفيذية على إدارة القرار بنفس الارتفاع الذهني الذي وُلد فيه.
هنا يظهر سؤال لا يُطرح غالبًا بصوت عالٍ، لكنه حاضر في عمق المشهد: هل تغيّر منطق اتخاذ القرار داخل الأنظمة الصحية بقدر ما تغيّرت الهياكل التي يعمل ضمنها؟ هذا السؤال لا يفترض خللًا، ولا يستدعي مقارنة مع الماضي، بقدر ما يستشرف المستقبل. فالأنظمة الصحية اليوم تقف على عتبة مرحلة تتطلب عقلًا مختلفًا في الحكم؛ عقلًا لا يكتفي بإدارة الاستقرار، بل يجيد إدارة التحول ذاته. عقلًا يدرك أن القرار في هذه المرحلة لم يعد قرارًا إداريًا فحسب، بل قرارًا استراتيجيًا تتراكم آثاره على النظام ككل. وفي المراحل الانتقالية تحديدًا، تصبح العلاقة بين السلطة والقرار أكثر حساسية. فحين تتماهى الصلاحية مع الرأي، ويتحول الموقع إلى مرجعية حكم نهائي، يفقد القرار أحد أهم مقوماته: استقلاله المنهجي. هندسة القرار لا تستهدف إضعاف القيادة، ولكنها تحرر القرار من التمركز، بما يضمن أن تظل الصلاحية إطارًا للمساءلة لا بديلًا عن المنطق، وأن يبقى الحكم نتاج موازنة لا انعكاس موقع. كما أن التحول الصحي بطبيعته يُنتج توترًا مهنيًا، واختلافًا في التقدير، وتصادمًا في الرؤى السريرية والإدارية. وهنا لا تكمن الخطورة في الاختلاف ذاته، بل في طريقة التعامل معه. فالقرار الرشيد في هذه المرحلة لا يولد من انسجام كامل، بل من احتكاك منضبط، تُدار فيه الآراء ضمن إطار مؤسسي قادر على استيعاب التعدد دون أن يتحول إلى فوضى، وعلى تنظيمه دون أن يقصيه. وفي بيئة لا تقبل الخطأ، قد يبدو اختزال القرار وسيلة كفاءة أو تسريع. غير أن هذا الاختزال، مهما بدا عمليًا، يحمل في طياته مخاطرة صامتة؛ إذ يُعيد إنتاج منطق كان صالحًا في مراحل أقل تعقيدًا، لكنه لم يعد آمنًا في مرحلة تتضاعف فيها الآثار، وتتراكم فيها التبعات. فالسرعة هنا قد تكون وهم أمان، إذا جاءت على حساب عمق الموازنة واتساع الرؤية. ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري إعادة تعريف مفهوم الحسم ذاته. الحسم في سياق التحول الصحي لا يُقاس بسرعة الإغلاق، ولا بسطوة السيطرة، ولا باختصار المسار، بل بوضوح المنطق الذي قاد القرار، وعدالة الموازنة التي سبقته، وقدرة النظام على حماية نفسه من قراراته قبل أن يحاسب نتائجها. هندسة القرار تُخرج الحسم من كونه فعلًا شخصيًا إلى كونه نتيجة تصميم مؤسسي واعٍ.
ومع اتساع مشهد الخصخصة، وتعدد الشركاء، وتغير أدوار الدولة والمنشآت، يصبح هذا البعد أكثر إلحاحًا.
فالأنظمة التي ترتبط فاعليتها بأنماط قيادة ظرفية أو نماذج إدارة غير مؤسسية قد تُظهر أداءً مرتفعًا في مرحلة معينة
لكنها تفتقر إلى الاستقرار عند انتقال النظام من مرحلة إلى أخرى أما القرار المُهندس، فهو الذي يعيش بعد مغادرة صانعيه، لأنه قائم على منطق قابل للاستدامة. ومن هنا، فإن الجاهزية الذهنية للتحول الصحي لا تُقاس بالخبرة وحدها، ولا بعدد السنوات، ولا بحجم المنصب، بل بالقدرة على إدراك أن المرحلة القادمة تتطلب انتقالًا في التفكير قبل أن تتطلب انتقالًا في التنظيم. انتقالًا يجعل هندسة القرار جزءًا أصيلًا من التحول، لا عنصرًا مؤجلًا يُلتفت إليه عند ظهور التحديات والتعقيدات. وهنا تحديدًا يبدأ ما بعد التحول. ليس كمرحلة زمنية، لكن كوعي مختلف، يرى أن نجاح التحول الصحي في مراحله القادمة لن يتحدد بما بُني من أنظمة فقط، بل بالعقل الذي سيديرها، وبمنطق القرار الذي سيحكمها، وبقدرة القيادة على فهم أن التحول الحقيقي يبدأ حين يُعاد تصميم القرار لا حين يُعاد ترتيب الهياكل. فنحن لا نحتاج في المرحلة القادمة إلى قرارات أذكى، بل إلى قرار يستند على منهج معرفي مؤسسي .

عواطف محمد الشليح

مستشارة في التخطيط الاستراتيجي وإدارة المشاريع والحوكمة

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. خالص التقدير للكاتبة والخبيرة القديرة ..ابدعتي في ملامسة جوهر التحدي لمرحلة التحول الصحي القادمة ..واضيف معقبا اضافة لابداع اناملك بان نجاح التحول الصحي للمرحلة القادمة لابد ان يشمل استمرار تجارب النجاح في القطاع الربحي الخاص ولايلزم ان يكون التحول الصحي الحكومي تجربة جديدة تحمل التحديات التي تفضلتي وابدعتي بتسطيرها ..التكامل بين القطاعات والمؤسسات الصحية المتعددة ( الجامعات – القطاعات العسكرية – الهيئات الحكومية …) ايضا يمثل محورا اخر لم يتطرق اليه صناع القرار الصحي

اترك رداً على د/عصام الصبياني إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى