المقالات

الإدمان على الهواتف الذكية

أصبح الإنسان، بفعل التكنولوجيا في وقتنا الحاضر، لم يعد حرًّا بل مسيَّرًا، فقد كرّست فينا التقنية أن نقضي جلّ أوقاتنا معها. وهنا أقتبس قول الأستاذ الدكتور في كلية الآداب بجامعة محمد الخامس، سعيد بنكراد، في مقدمة كتابه باللغة الفرنسية «أنا أو سيلفي»، والذي يتطرق لمفهوم «الصورة العرضية الهشّة التي تملأ مساحات العوالم الافتراضية»، حيث يقول: «يبدو أننا وصلنا إلى حدّ الإدمان في ذلك، فلو اختفت شبكات التواصل الاجتماعي – لا قدّر الله – لأُصيب نصف العالم بالجنون والاكتئاب».

يبدو جليًّا أننا وصلنا إلى حدّ الإدمان في ذلك، فلم يعد هناك تواصل اجتماعي بين الأسر والأقارب والأصدقاء إلا عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي؛ الإنترنت ومخرجاته من واتساب وغيره من التطبيقات. لقد وصلنا إلى حدّ العبودية، وبلغة الباحثة الفرنسية في جامعة باريس إلزا غودار: «لقد خضع وعينا في كليته لخلخلة، لقد بدأنا نبتعد شيئًا فشيئًا عن أنفسنا».

لقد غيّرت شبكات التواصل الاجتماعي طبيعة العلاقات الأسرية والاجتماعية بين الأفراد، حيث قلّلت من التفاعل المباشر وجهًا لوجه، وأدّى ذلك إلى ضعف الروابط العاطفية والتواصل الحقيقي بين الأهل والأقارب. وعلى الرغم من أنها أتاحت التواصل عن بُعد، إلا أن هذا التأثير السلبي يتطلّب إيجاد توازن عبر وضع حدود للاستخدام، وتشجيع الأنشطة العائلية الواقعية، وذلك بحسب العديد من البحوث والدراسات والتحليلات التي أُجريت في هذا المجال.

دعاني للكتابة ما نشاهده حاليًا في المناسبات الاجتماعية، حيث تجد أن كل فرد منشغل بهاتفه النقال وتطبيقاته من تيك توك، وفيسبوك، ويوتيوب وغيرها، لدرجة أنك لا تستطيع التحدث مع من هو بجانبك في المناسبة.

كنت في رحلة بالطائرة من الرياض إلى جدة منذ فترة، وكان جميع من في صالة التنفيذي منشغلين بهواتفهم النقالة، لا أحد يتكلم مع الآخر، حتى بين أفراد الأسرة الواحدة صغيرهم وكبيرهم وحتى خدمهم. وداخل الطائرة كنت في مقعد بين شخصين، كلاهما كان مشغولًا بهاتفه النقال طوال الرحلة.

وقد ربطت دراسة حديثة، نُشرت في دورية الجمعية الطبية الأمريكية، أن الأشخاص الذين يستخدمون هواتفهم الذكية لمدة ساعتين أو أكثر يوميًا يكونون أكثر عرضة من غيرهم بنسبة 10% للإصابة باضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط.

وربطت الدراسة هذا الاضطراب في المقام الأول بالأطفال الصغار، مع احتمال أن يتمكن الطفل من التخلص منه في مرحلة النمو، ولكن عوامل التشتيت التي تتسبب بها الهواتف الذكية، مثل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والرسائل النصية وتدفّق الموسيقى والأفلام، تخلق ما يُسمّى بوباء اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه بين الأشخاص البالغين.

وبيّنت الدراسة أن الأشخاص الذين يقضون وقت فراغهم في استخدام التكنولوجيا لا يسمحون لعقولهم بالراحة والتركيز على مهمة واحدة، ويمكن أن تؤدي عوامل التشتيت المشتركة إلى تطوير فترات انتباه أقصر لدى البالغين، ويصبح من السهل تشتيت انتباههم.

لذلك وُجد أن أفضل طريقة للتخلص من قضاء ساعات طويلة على الهاتف النقال ربما تكون باستبدال ذلك بممارسة أنشطة بديلة كالرياضة والقراءة، إضافة إلى وضع الهاتف بعيدًا عن المتناول.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى