المقالات

مكة المكرمة… مجمعًا للعقول الضخمة

لا يزال في الذاكرة — قبل أكثر من عقدين من الزمان — وأنا مغادر الحرم المكي الشريف في شهر رمضان المبارك عقب صلاة التراويح، حين اعترضني رجل كبير في السن، قد انحنى ظهره، ورقّ عظمه، وضعف نظره، فقال: هل تجيد اللغة الإنجليزية؟ فقلت له: نعم. فقدم لي ورقة بها عنوان سكنه، وطلب مني أن أدله على العنوان المكتوب فيها.

عندها قمت بما يجب لمثله من ضيوف الرحمن من عون ومساعدة، وبعد أن أوصلته إلى مسكنه سألني عن عملي. كنت وقتها حديث التخرج، حاملًا درجة الدكتوراه من جامعة ويلز البريطانية، فأخبرته أني أعمل أستاذًا مساعدًا في مادة الإحصاء. فنظر إليّ وهو في قمة السعادة، وقال: هل تعرف البروفيسور منير أحمد؟ قلت له: وأي إحصائي لا يعرفه، وهو العالم المشهور والباحث الكبير في مجالات الإحصاء الرياضي؟ تبسم وقال لي: أنا البروفيسور منير أحمد.

والمفاجأة الكبرى أن البروفيسور منير أحمد كان مناقشي الخارجي للماجستير في بداية التسعينيات، غير أن تغيّر ملامح وجهه مع التقدم في السن كان سببًا في عدم معرفتي له.

ذكرت له أن موضوع بحثي في الماجستير كان عن المعادلات الإحصائية التي كانت من نتاج أفكاره، وأنه هو من منحني الدرجة في قسم الإحصاء بكلية العلوم بجامعة الملك عبدالعزيز.

وللعلم، فإن البروفيسور منير أحمد كان أحد أساتذة الإحصاء الرياضي في جامعة كراتشي بباكستان، وعمل أستاذًا في العديد من الجامعات العريقة خارج بلاده، منها كلية البترول والمعادن عند بداية إنشائها في الخامس من جمادى الأولى عام 1383هـ، الموافق 23 سبتمبر 1963م، بمدينة الظهران بالمملكة العربية السعودية، والمعروفة حاليًا بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن.

وقد سجل البروفيسور منير أحمد أكثر من عشرين ملكية فكرية، ونشر أكثر من 250 ورقة علمية في أرقى المجلات العلمية العالمية عالية التأثير، وألّف 27 كتابًا علميًا في مجالات الإحصاء الرياضي، واختبارات الفروض الإحصائية، ومراقبة الجودة، كما حصل على العديد من الجوائز التقديرية، وتخرج على يديه الكثير من الطلاب في مختلف أنحاء العالم.

في الأثناء تذكرت قول الله سبحانه وتعالى في سورة إبراهيم الآية (37):
﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾.

لقد جعل الله سبحانه وتعالى هذه المدينة المقدسة — استجابة لدعاء سيدنا إبراهيم عليه السلام — مهوى الأفئدة (القلوب) قبل الأجساد، يفد إليها — فيمن يفد — العلماء والفقهاء والكبراء والخبراء والمخترعون والمكتشفون، ليذكروا اسم الله ويرجوا رحمته ومغفرته.

إذًا كان الحج والعمرة — وما زال — مجمعًا للعلماء والفقهاء من جميع أنحاء العالم، ومع انفتاح باب العمرة أصبحت مكة المكرمة والمدينة المنورة موطنًا للعلماء والفقهاء طوال العام. ولذلك وجب على الجامعات السعودية — الحكومية منها والخاصة — أن تتخذ سبيلًا، بل سبلًا، للاستفادة من هذه العقول الضخمة في مجالات البحث العلمي، والتدريس الأكاديمي، وإلقاء المحاضرات، وحل المشكلات، وتدشين المشاريع البحثية، والإشراف على طلاب الدراسات العليا، بما يجعل من الجامعات السعودية — بإذن الله — مصانع عالمية لإنتاج المعرفة.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى