من أجمل ما خطّه معالي أخي الكريم الدكتور “قيس المبارك” عن الحكمة في الشعر ما تفضل به معاليه في تقديم كتابي بعنوان «كل يوم حكمة»، أترككم معه بلا تعليق:
روى البخاري أن النبي ﷺ قال:
(إن من الشعر لحكمة)
الحكمة: كل صواب من القول، فورث فعلًا صحيحًا أو حالًا صحيحًا، وإن شئت قلت: هي ما منع من الجهل والظلم والعداء، وقيل: إنها كل قول وجب فعله. وهي كما قال يحيى بن معاذ:
(جندٌ من جنود الله، يرسلها إلى قلوب العارفين حتى يروّح عنها وهج الدنيا).
وإذا صيغت الحكمة شعرًا زادت حلاوتها، وقوي وقعها في النفس. روى البخاري في صحيحه عن رسول الله ﷺ:
(أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل).
وكان رسول الله ﷺ يسمع الشعر ويستحسن الحسن منه، كما قال ابن عبد البر، قال:
(وقد أنشد كعب بن زهير رسول الله ﷺ قصيدته اللامية أولها: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول، وفيها من التشبيب والمدح ضروب).
وقد صح أن البراء بن مالك كان يحدو بالرجال، وأنجشة يحدو بالنساء، وكان حسن الصوت، فحدا، فأعنقت الإبل، فقال رسول الله ﷺ:
(يا أنجشة، رويدًا سوقك بالقوارير).
فكان ابن عباس يعجبه شعر زهير، قيل: لأنه كان يختار من الشعر أكثره أمثالًا، وأدله على العلم والخير.
ومما يُروى عن سعيد بن المسيب أنه مر في بعض الأزقة، فسمع الأخضر الجدي يتغنّى في دار العاصي بن وائل:
تَضَوَّعُ مِسْكًا بَطْنُ نَعْمَانَ أَنْ مَشَتْ
بِهِ زَيْنَبٌ فِي نِسْوَةٍ عَطِرَاتِ
فوقف وقال: هذا والله ما يَلذّ استماعه. قال ابن عبد البر:
(فكانوا يرون أن هذا الشعر لسعيد بن المسيب).
وما أجمل قول حسان في ابن عباس:
صَمُوتٌ إذا ما الصمتُ زيَّن أهلَه
وفَتَّاقُ أبكارِ الكلامِ المُخَتَّمِ
وعَى ما وعى القرآنُ من كلِّ حكمةٍ
ونيطت له الآدابُ باللحمِ والدَّمِ
وقوله في ابن عباس كذلك:
إذا قال لم يترك مقالًا لقائلٍ
بمنتظماتٍ لا ترى بينَها فصلًا
يقول مقالًا لا يقولون مثله
كنحتِ الصفا لم يُبقِ في غايةٍ فضلًا
كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع
لذي إربةٍ في القول جدًّا ولا هزلًا
ويُروى عن ثعلب قوله: لا أعرف في حسن صفة الكلام أحسن من هذين البيتين، وهما لعدي بن الحارث التيمي:
كأن كلامَ الناس جُمِّعَ عنده
فيأخذ من أطرافه يتخيّرُ
فلم يرضَ إلا كلَّ بكرٍ ثقيلةٍ
تكاد بآنٍ من دم الجوف تقطرُ
فإنشاد الشعر حسن، وإن كان في المسجد، غير أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما رأى كثرة جلوس الناس في المسجد وتحدّثهم فيه، وربما حصل في حديثهم لغط وارتفاع صوت، بنى رحبة في ناحية المسجد تسمى البطيحاء، وقال:
(من كان يريد أن يلغط أو ينشد شعرًا أو يرفع صوته فليخرج إلى هذه الرحبة)
تنزيهًا للمسجد من اللغط، وليس تحريمًا لإنشاد الشعر فيه. قال القاضي أبو الوليد الباجي:
(ولم يُرد أن ذلك محرّم فيه).





