إن تركيز فنلندا الرئيسي لم يكن على إصلاح المناهج التعليمية فقط، مع أهميتها، بل كان على رفع مستوى كفاءة وأداء المعلمين، ومناهج تركز على مهارات التفكير والتعلّم الذاتي بدلًا من الحفظ والتلقين، إضافةً إلى التقليل من الواجبات المنزلية والاختبارات المعيارية، ومجانية التعليم، مما يخلق بيئة تعليمية داعمة تركز على التنمية الشاملة للطالب كفرد فاعل داخل المجتمع.
ونجد أن أغلب المعلمين في المدارس الفنلندية حاصلون على شهادات عليا مثل الماجستير أو الدكتوراه. بالإضافة إلى ذلك، يوجد طلب عالٍ للالتحاق بالقطاع التعليمي الفنلندي بسبب الرواتب الجيدة التي يحصل عليها المعلمون، وبسبب الاهتمام الذي تظهره الدولة لهم، لذلك نرى أن جودة التعليم الفنلندي عالية جدًا، ويُصنَّف ضمن الأفضل عالميًا، والرابع وفقًا لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية.
يخلق هذا تنافسًا مرتفعًا للالتحاق بالقطاعات التعليمية، ما يرفع بالتبعية من جودة المقبولين والمتخرجين على السواء. ويُضاف إلى ذلك أن فنلندا تعمل على توفير الظروف التي تضمن استمرار عمل المقبولين لديها لفترة طويلة داخل المنظومة التعليمية.
وعلى الجانب الآخر، تسير العملية التعليمية في فنلندا داخل منظومة واحدة، ولا يوجد تقسيم للمدارس إلى مدارس عامة ومدارس خاصة، أو تركيز على قطاعات محددة دون أخرى. ويعود سبب ذلك إلى التركيز على المساواة في تقديم الخدمات التعليمية كقيمة أساسية حاكمة، وتنظر الحكومة الفنلندية إلى التعليم كوسيلة لتحقيق أهداف اجتماعية وسياسية مشتركة.
يهدف التعليم الفنلندي في هذه الحالة إلى تكوين ثقافة مشتركة ونشر قيم ومثل محددة بين المواطنين، كما يقوم التعليم أيضًا بلعب دور في تقوية المواطنة والمساواة داخل المجتمع عبر ترسيخ هذه القيم في وجدان المتعلمين.
ويُلاحظ أن إعداد الطلاب لسوق العمل أو التأكد من مشاركتهم في عملية التنمية الاقتصادية من الأهداف المهمة للعملية التعليمية، لكن يتم التركيز عليها في مراحل التعليم المتقدمة، بعد التأكد من أن أغلب المتعلمين قد حصلوا على جودة تعليم متقاربة في مراحل التعليم الأساسية. ووفقًا لهذه الرؤية، يلعب المعلم في هذه المنظومة الدور الرئيسي، ويكون المنهج الدراسي تابعًا له.
إننا في حاجة ماسّة إلى التركيز على رفع مستوى المعلمين لدينا وتقويتهم ماديًا ومهنيًا وفنيًا، أكثر بكثير من حاجتنا للتركيز على إصلاح المناهج، مع أهميتها في العملية التعليمية.







شكرا معالى ألأخ الدكتور بكرى عساس على هذا المقال المتميز الذى قمت فيه بتحليل عميق لمنهجية التعليم فى أرقى الدول تعليما وثقافة وجودة حياه يهدف إلى غهمية الإهتمام بالمعلم ورفع كفاءته العلميه وبشكل خاص فى المراحل التعليميه الأولى مع الكفاءه العلميه فى المراحل المتقدمه لأهمية حصول الطلاب على أعلى درجات العلم مع التركيز على توحيد منهجية التعلّم فى المنظومه التعليميه بحيث تكون المخرجات جميعها فاعلة فى التنميه المجتمعيه والمهنيه والاكاديميه فيحدث التكامل المعرفى فى المجتمع الذى يؤدى إلى الارتقاء فى الأداء العام للوصول إلى ما وصلت إليه هذه الدوله المتميزه.
والحمدلله أننا نفتخر كشعب ينتمى إلى بلد قيّض الله لها حكومات عملت وتعمل على الإرتقاء بجودة الحياه ورفاهية المواطن والمقيم على أرضها إلى أعلى المستويات ومن سار على طريق الإصلاح لا بد أن يصل لتحقيق الأهداف بعون الله تعالى وتوفيقه.
أتفق مع الطرح في أن المعلم هو حجر الأساس في أي منظومة تعليمية ناجحة، لكن من المهم التمييز بين شكل التعليم وأثره الفعلي. قبل مايقارب ٣٥ عامًا، كان التعليم لدينا في معظمه تلقينيًا، ومع ذلك خرجت منه أجيال امتلكت عمقًا معرفيًا، ووعيًا نقديًا، ورغبة حقيقية في التعلّم، رغم شحّ المصادر وضعف الممكنات مقارنة بما هو متاح اليوم. هذا يدعونا لطرح سؤال أعمق: هل المشكلة اليوم في المنهج، أم في البيئة التعليمية ككل؟ وفرة المصادر، والتقنيات، والرفاهية التعليمية لم تُترجم بالضرورة إلى جودة تعلم أعلى، لأن الدافع الداخلي للتعلّم، وهيبة المعرفة، ودور المعلم كقدوة فكرية، تراجعت لصالح نماذج شكلية للإصلاح. أفضل الممارسات العالمية، بما فيها التجربة الفنلندية، لا تنجح لأنها تخلّت عن التلقين فقط، بل لأنها أعادت الاعتبار للمعلم، وبنت بيئة تعليمية ذات توقعات عالية، ومسؤولية فكرية واضحة على الطالب، ضمن منظومة قيمية متماسكة. حين يغيب هذا الإطار، يصبح أي إصلاح مهما بدا حديثًا محدود الأثر. التحدي الحقيقي ليس في استنساخ نماذج عالمية، بل في فهم لماذا نجح التعليم قديمًا رغم محدوديته، ولماذا يتعثر اليوم رغم وفرة أدواته، ثم بناء منظومة تعليمية تعيد المعنى قبل أن تعيد التصميم