المقالات

التعطيش الزراعي

تعطيش الشيء منع الماء عنه وهو مصطلح شائع في عالم الزراعة ومستخدم بشكل كبير.

فهل يعطش النبات مثل الانسان عند منع الماء عنه ، أم أن لديه مصادر أخرى للحصول على الماء ، وعند الحصول عليه هل يفقده أيضا مثل الانسان عن طريق الإخراج عبر عملية التبول أو العرق وخلافه.

بلا شك النبات كائن حي ، ويتميز بكل صفات الحياه ، وجميع الأنشطة لدى الكائن الحي ، وتتأثر هذه الأنشطة بالعوامل المناخية الفلكية الكثيرة ، ويحاول التعامل أو التكيف معها بشتى الطرق وأنواع ألوسائل المتاحة والتى يمكن أن يحصل عليها.
لنكون أكثر تحديدا ووضوحا في هذا المجال.

المزارع بعد جني الثمار من أشجار الفواكه ، وانتهاء فصل الخريف وتساقط الأوراق بشكل كامل من النبته ، يدع تلك الأشجار بلا سقاية لمدة قد تصل الى أربعة أشهر ، مثل ما هو جارٍ مع الرمان والعنب خاصة ، بعدما فقدت أوراقها التي تفقدها الماء بعملية تسمى النتح ، وهي عملية تساعد أيضا على إمتصاص الماء من التربة ، عبر الجذور ثم الساق والفروع الى الورقة ، التي تفقد جزءا منه نتحا ، الى جانب الكثير من العمليات الأخرى بداخل النبات ، ولكن بسقوط الأوراق تماما تُفقد عملية النتح وتقل الى حد كبير عملية حركة الماء داخل النبتة ، وهنا أتحدث عن عملية واحدة من الاف العمليات التي تحدث داخل النبات.

هنا تدخل الشجرة في حالة كمون تام ، فالظروف الداخلية والخارجية لا تساعدها على النشاط بل الأقرب هو الكمون ، والترقب الدقيق لتحسن الظروف ثم العودة للنشاط من جديد.

هنا نجد المزارع مدرك لهذه العملية ، فيمتنع عن سقي أشجاره ، رغم أنها قد تحصل على القليل من الماء من رطوبة التربة أو الجو.

لا يقتصر المزارع على عدم السقي ، بل يحول الماء الذي يصل الشجرة بعيدا عنها ، وهنا علامة استفهام عن ذلك الفعل.

ولتوضيح ذلك ، أقتصر على ثلاثة عوامل ، وهي الأهم في تنشيط العمليات النباتية واستمرارها وزيادة مفعولها وبالتالي مردودها.
أول هذه العناصر الماء ، وقد عمل المزارع ما يستطيع من عدم الري بل ومن وصول الماء الى النبتة ، لأنه محفز لنشاط النبتة ، وهذا غير مجدي أو ربما ليس وقته ، لغياب العامل الأهم وهو العامل الثاني من العوامل المؤثرة في النبات ، وهو عامل الدفء المناسب أو درجة الحرارة المناسبة والمطلوبة فعليا ليتم النشاط التفاعلى ( الكيميائي) داخل النبات.

إذا لا جدوى من وجود الماء للنبات في غياب عوامل أخرى.
والعامل الثالث وجود الأملاح المغذية للشجرة.
ولا ننسى العامل المساعد والمهم وهو الضوء.

من هنا نجد اللاعب الأساسي من هذه الثلاثة العوامل هو عامل درجة الحرارة ، والذي لايستطيع الإنسان التحكم فيه في الظروف العادية ، ومن هنا يدع سقيا أشجار الفواكه متساقطة الأوراق حتى تعود درجة الحرارة الى المستوى المطلوب ، والذي يساعد بشكل فعال على التفاعلات والعمليات داخل النبتة ومن جميع الجوانب.

يستغل المزارع الناجح هذا الوقت والذي يعرفه تماما ويحسب أيامه ولياليه ويتابع الفلك والتغيرات الفلكية من أجل أن يكون في الوقت الصح ليحصل على نتائج أفضل وأجود ، نعم يستغل وقت الكمون للنبات في عملية تنظيف الأحواض وعزقها وتهويتها كذالك تقليم وترتيب الشجرة وعمل الدعم اللازم لها ، مع مراقبة ذهاب زمن البرد ، ومجيء الدفء الصيفي الذي عند حصول هذا الدفء اللازم للأشجار يبدأ يعطيها الماء في أول عملية تسمى عملية الإنعاش للشجرة ، وبكميات من الماء المحددة وللازمة لإتمام تلك الأنشطة النباتية.

وعادة ما تكون هذه الفترة فترة التعطيش في شهر ديسمبر ويناير وفبراير في منطقة الطايف ( بستان مكة ) ، عندما تكون أشعة الشمس عمودية على القسم الجنوبي من الكرة الأرضية . ومائلة على القسم الشمالي منها ، وينتج عن ذلك قصر فترة الاستضاءة التي لها أهمية كبرى في عملية البناء الضوئي داخل النبات واللتي ينتج عنها صنع الغذاء.

نعم بتحسن درجة الحرارة ومدة الاستضاءة في القسم الشمالي من الكرة الأرضية ، تبدأ النباتات في النشاط ومغادرة فترة الكمون بسريان الماء داخل الأغصان ، ومن ثم بروز البراعم الورقية والزهرية ، وتستمر في النمو والتحول الى ثمار بالنسبة للزهور ، ولكن لو حدث انخفاض مباشر ومفاجئ في درجة الحرارة نجد أن الأزهار تتساقط والأوراق تتأثر وربما كان هذا التأثر دائم من عدم نمو أو تشوه في تلك الأوراق والفروع.

لذا نجد المزارع شديد الحرص والحساب ، ومعرفة الأرصاد حتى يجنب مزروعاته مخاطر مناخية فلكية تسبب الضرر للنبات والخسارة للمزارع.

نلاحظ أن المزارع مهندس زراعي بالخبرة ، وخبير أرصاد وفلك ، وربما مستواه الدراسي منخفضا بشكل كبير ربما يقرأ ويكتب وربما لا يجيد القراءة والكتابة ، ولكن ظروف الحياة ومعاصرة المؤثرات والبحث عن الرزق دفعت به الى كل تلك الخبرة.

عبدالملك محمد ابن عميرة الذويبي

باحث في علم الفلك والتقويم الزراعي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى