المقالات

الصحافة الاستقصائية: صحافة العمق وكشف الحقيقة

اختيار الصحافة الاستقصائية موضوعًا لليوم العالمي للصحافة لهذا العام جاء دقيقًا وتثمينًا، لما تمثّله من قيمة عالية في العمل الصحفي، إذ تستند إلى البحث والتدقيق لكشف النقاب عن معلومات لا يتاح الاطلاع عليها لعامة الناس. فهي صحافة النزاهة والشفافية والمساءلة، وتُسمّى أحيانًا الصحافة النقدية أو الصحافة المتعمقة، ولا شك أنها تقوم بخدمة المجتمع عبر عرض ما كان محجوبًا عن الرأي العام، وذلك من خلال إجراءات صحفية مضنية تعتمد على الفحص والبحث، وجمع البيانات وتحليلها، وطرح الفرضيات والإجابة عنها بأسلوب علمي.
وتسعى الصحافة الاستقصائية إلى كشف المعلومات غير المتاحة من خلال الأدلة والوثائق، وصولًا إلى معالجة قضايا الفساد والكشف عنها. ويختلف هذا النوع من العمل الصحفي تمامًا عن الصحافة التقليدية التي تنشر الأخبار والتقارير والصور في وقتها، إذ إن العمل الصحفي الاستقصائي يستغرق وقتًا طويلًا وجهدًا كبيرًا، ويتطلب تعاملًا ذكيًا وتواصلًا مستمرًا بحذاقة وفطنة. وغالبًا ما يصطدم الصحفي الاستقصائي بصعوبة توفر ما يبحث عنه، إلا أن المثابرة والاحتراف المهني يقودانه في النهاية إلى مبتغاه.
لذا تُعدّ الصحافة الاستقصائية وسيلة فاعلة لنشر قيم الشفافية والنزاهة والإصلاح، شريطة الالتزام بالآداب والأخلاق المهنية، والاعتماد على الوثائق الصحيحة، والتقارير الإحصائية الدقيقة، والمقابلات الشخصية، وطرح الموضوعات التي تهم الرأي العام، مع اختيار الفكرة الجيدة والجديدة، واحترام الملكية الفكرية، وعدم كشف أسماء المصادر التي زوّدته بالمعلومات.
ويمكن القول إن ثمة صفات يجب أن تتوافر في الصحفي الاستقصائي، من أبرزها: روح التحدي، والعزم، والصبر، والفضول المهني، والتفكير العلمي، والشفافية العالية، والموهبة المهنية القائمة على الصدق والدقة والموضوعية، واتباع الطرق الأخلاقية في التنقيب والحصول على المعلومات المتعلقة بالتحقيق الصحفي. وهنا يكمن الفارق الكبير بين الصحافة الاستقصائية والصحافة التقليدية، سواء في الأسلوب أو الإجراءات أو المدة الزمنية لإنتاج المادة الصحفية، من حيث جمع البيانات والسرد القصصي المتقن والمؤثر والمفيد.
أما الموضوعات التي يمكن أن تتناولها الصحافة الاستقصائية، فهي في كل مكان وعلى قارعة الطريق، ولا يكشفها سوى الحسّ الصحفي الحاذق ، ومن ثم يُبنى العمل وفق إجراءات وخطوات مدروسة تخلق مادة صحفية لافتة، محققة للأهداف، وكاشفة للحقائق.
ويمكن القول في الختام إن الصحافة الاستقصائية تعيد للصحف مكانتها وهيبتها وسلطتها، بما يتوافق مع مسمّاها الحقيقي: صحافة العمق.

* المقال مُجتزأ من ورقة طرحتُها في مقهى بوكا، الشريك الأدبي بمنطقة الباحة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى