حين تُعلَن نتائج التقويم المدرسي وتُبرز المدارس المتميزة، يبدو المشهد وكأنه يكتمل عند لحظة الاعتراف والاحتفاء. غير أن السؤال الأهم لا يُطرح عادة في هذه اللحظة: ماذا يتعلّم النظام التعليمي من هذا التميز؟ فالفارق بين منظومة تُحسن القياس ومنظومة تُحسن التعلّم ليس في دقة المعايير، بل في قدرتها على تحويل ما تكشفه النتائج إلى تغيير فعلي في الممارسة.
ومن هنا، لا يصبح التميز المدرسي غاية بحد ذاته، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة النظام التعليمي على أن يتعلّم من أفضل تجاربه، وأن يحوّل النجاح الفردي إلى معرفة مشتركة وأثر مستدام. فالسؤال عن التميز المدرسي ليس سؤال تصنيف، بل سؤال تعلّم: هل يُدار التميز بوصفه إنجازًا يُحتفى به، أم معرفة يُعاد تشغيلها داخل هذه المنظومة؟
أسهمت هيئة تقويم التعليم والتدريب خلال الأعوام الماضية في إحداث تحول مهم في ممارسة التقويم المدرسي، من حيث تنظيمه، وتوحيد معاييره، وتوسيع نطاق تطبيقه، وترسيخ ثقافة الجودة داخل الميدان التعليمي. ولم يعد التقويم إجراءً شكليًا أو نشاطًا رقابيًا محدود الأثر، بل أصبح ممارسة مهنية منتظمة تُنتج معرفة دقيقة عن أداء المدارس، وتكشف أنماط الممارسات التعليمية الفاعلة، وتُبرز نماذج استطاعت ترجمة المعايير إلى ممارسات واقعية قابلة للقياس.
هذا التحول مكّن النظام التعليمي من أن يعرف ذاته بصورة أوضح: يعرف أين ينجح، وأين تتكرر فجوات الأداء، وأي الممارسات تقود إلى نتائج متقدمة. غير أن امتلاك المعرفة عن الأداء لا يعني بالضرورة أن هذا النظام قد دخل مرحلة التعلّم؛ فكثير من الأنظمة التعليمية تعرف الكثير عن أدائها، لكنها تغيّر القليل من طريقة عملها، لأن المعرفة لا تتحول تلقائيًا إلى تعلّم ما لم تُعاد إدماجها في القرار والممارسة اليومية، وتُترجم إلى تحسينات قابلة للتوسّع والتكرار.
فالتقويم المدرسي، بطبيعته، لا يكتفي بتوصيف الواقع، بل يُنتج معرفة تطبيقية عن كيفية عمل المدارس، وعن الممارسات التي قادت إلى نتائج متقدمة. وحين يبرز التقويم مدارس متميزة، فإنه لا يعلن تفوقها فحسب، بل يكشف عن خبرة عملية تراكمت لديها في القيادة المدرسية، وجودة التعليم والتعلّم، وبناء بيئات تعلّم فاعلة، واتخاذ القرار المبني على البيانات، وإدارة التحسين المستمر. هذه الخبرة تمثل موردًا معرفيًا عالي القيمة للمنظومة التعليمية بأكملها.
غير أن هذه المعرفة، على أهميتها، تظل في كثير من الأحيان معرفة غير مُفعَّلة على مستوى المنظومة. فهي تُعرَف وتُوثَّق، لكنها لا تدخل في مسار مؤسسي واضح يضمن انتقالها المنهجي إلى مدارس أخرى. وبهذا المعنى، تتوقف دورة التقويم عند حدود التشخيص والاعتراف، دون أن تُستكمل بدورة تعلّم منظمي تُعيد إدماج الخبرة المتحققة في تحسين الأداء العام.
هنا يبرز التعلّم المنظمي بوصفه الإطار التفسيري لهذا القصور؛ إذ لا يُقصد به مجرد تراكم الخبرات أو تبادل التجارب، بل قدرة المنظومة على تغيير طريقة عملها بصورة منهجية استنادًا إلى ما تتعلّمه من ممارساتها ونتائجها. فالتعلّم الحقيقي لا يتحقق بالتوثيق وحده، بل حين تُعاد صياغة السياسات، وتُعدَّل الإجراءات، وتُطوَّر الممارسات اليومية، ويمتد أثر المعرفة المتولدة من الخبرة الفعلية إلى تطوير المناهج، وتنمية المعلمين مهنيًا، وتعزيز ممارسات الدعم التعليمي.
وفي السياق التعليمي، يعني ذلك أن المنظومة لا تكتفي بتحديد المدارس المتميزة، بل تتعلّم من كيفية وصولها إلى التميز، وتحوّل هذه الخبرة إلى مدخل لتحسين الممارسة في مدارس أخرى. غير أن الحلقة الأكثر حساسية في هذا المسار تبقى تبادل المعرفة؛ فالتعلّم، في جوهره، عملية مؤسسية جماعية، لا تجربة فردية أو حالة معزولة. وحين لا تتوافر آليات منظمة لتبادل المعرفة بين المدارس، يبقى التميز محصورًا في سياقه المحلي، وتتحول المدارس المتميزة إلى جزر نجاح منفصلة، بدل أن تكون روافع تطوير للمنظومة التعليمية بأكملها.
وإدارة المعرفة في هذا الإطار لا تُفهم بوصفها حفظًا للوثائق أو تجميعًا للممارسات في تقارير ومنصّات، بل بوصفها وظيفة تعليمية تشغيلية، غايتها تحويل الخبرة العملية إلى معرفة قابلة للتداول، ثم تمكين المدارس من التعلّم منها وتكييفها وفق واقعها. وعندما تغيب هذه الوظيفة، فإن المنظومة قد تعرف الكثير عن أدائها، لكنها لا تتعلّم بالقدر الكافي من أفضل تجاربها.
وهنا يتبلور الدور المحوري لوزارة التعليم بوصفها الجهة المشغِّلة للنظام التعليمي. فبعد أن أسهم التقويم في إنتاج المعرفة وكشف الممارسات الفاعلة، يصبح على الوزارة أن تتولى تحويل هذه المعرفة إلى تعلّم منظمي، عبر سياسات تشغيلية واضحة تجعل تبادل المعرفة جزءًا من العمل المؤسسي، لا نشاطًا موسميًا أو مبادرة عابرة.
وعند هذه النقطة، تكتمل دائرة التقويم: فالتقويم يُنتج المعرفة، وتبادل المعرفة يُفعِّلها، والتعلّم المنظمي يُحوّلها إلى تحسين مستدام. وتصبح الجودة ممارسة تتوسع عبر التعلّم من الداخل، لا هدفًا يُطلب من كل مدرسة بلوغه منفردة. وبهذا المعنى، لا يعود التميز المدرسي خاتمة دورة تقويم، بل نقطة بداية لمسار تعلّم جماعي، تتحول فيه الجودة من نتيجة تُعلن إلى قدرة تُبنى، وهي القيمة الأعمق التي ينبغي أن تستهدفها أي منظومة تعليمية تتطلع إلى استدامة التميز.
• أستاذ القيادة التربوية
• المدير العام للتعليم بمنطقة مكة المكرمة (سابقًا)






