حين عجز إنسان بلاد العرب في العصور القديمة عن تفسير ما يراه من تكوينات صخرية، لم يتركها لصمتها، بل أسبغ عليها الحكاية. فالعقل البشري لا يطيق الفراغ في الفهم، وحين يقف أمام ظاهرة غامضة أو شكلٍ لافت، يسعى إلى منحه معنى يتّسق مع ما تراه العين، ويخفف حيرته أمام المجهول.
في العُلا، تتجلى هذه العلاقة بين الإنسان والمكان بوضوح لافت؛ حيث تتجاور التكوينات الطبيعية مع الآثار المنحوتة، ويقف الحجر شاهدًا على فعلين مختلفين: فعل الطبيعة عبر الزمن، وفعل الإنسان عبر التاريخ، بينما تتولى الذاكرة الشعبية مهمة الحكي والتأويل. فالمكان هنا لا يُقرأ قراءة واحدة، بل يُعاد تشكيله في الوعي، مرة بالحقيقة المادية، ومرة بالسرد المتخيَّل.
يبرز جبل الفيل بوصفه أحد أشهر التكوينات الصخرية الطبيعية في العُلا؛ صخرة رملية ضخمة شكّلتها أيدي الرياح عبر زمن طويل، حتى استقرت في هيئة تُشبه الفيل بخرطومه الممدود. ولم يقف الخيال الشعبي عند حدود هذا التشابه البصري، بل نسج حوله حكاية بسيطة ومباشرة؛ إذ تروي الذاكرة الشعبية أنه كان فيلًا حقيقيًا ضخمًا، حُوِّل بفعل قوة خارقة إلى صخرة صامتة، فبقي في مكانه شاهدًا على ما مضى، لا يتحرك إلا في الخيال.
وينطبق الأمر ذاته على صخرة العروسة في تيماء، ذلك التكوين الصخري القائم النحيل، الذي تشكّل عبر عصور سحيقة بفعل التعرية، ونحتته الرياح ببطء حتى أوحى بهيئة إنسانية أنثوية. وقد تخيّل الناس أن هذه الصخرة كانت عروسًا في يوم زفافها، تحوّلت إلى حجر في لحظة غامضة، أو تجسّدت فيها قصة فراق أو عقاب أو قدرٍ مفاجئ. وهكذا، لم يكن الشكل وحده ما استوقفهم، بل ما حمله من إيحاء إنساني؛ فالعروس، بما ترمز إليه من اكتمال وفرح وانتقال، كانت أقرب صورة يمكن أن تحتملها الحكاية.
جبل الفيل وصخرة العروسة معلمان تشكّلا حين أدّت الرياح دور النحّات، واحتفظ الإنسان بدور الراوي. ففي كليهما، لم يصنع الإنسان الشكل، لكنه صاغ المعنى، وألبس الصخر قصة تتوافق مع ما رآه فيه.
وعلى النقيض من ذلك، يقف قصر البنت شاهدًا على تدخل الإنسان المباشر في تشكيل الحجر. فهو أثر معماري منحوت في الصخر، أحد المدافن النبطية البارزة في مدائن صالح، صُمّم لغرض واضح هو الدفن، وجاءت واجهته المعمارية انعكاسًا لتطور الفن الجنائزي ودقته. غير أن الذاكرة الشعبية لم تتقبّل هذا المعنى الجنائزي المجرد، فأعادت تأويل المكان، وحوّلته من مدفن إلى قصر، وربطته بحكاية فتاة سكنت المكان، أو حُبست فيه، أو ارتبطت به قصة حزن أو ظلم. وكأن الإنسان، في مواجهته لفكرة الموت، آثر أن يستبدل الصمت بسردٍ مأهول بالحياة.
ما يجمع هذه المعالم، على اختلاف أصولها بين ما صنعته الطبيعة وما نحتته يد الإنسان، ليس طريقة تشكّلها، بل طريقة قراءتها. فالإنسان لم يفرّق بين حجرٍ صاغته الرياح وحجرٍ نحتته يداه، بل ألبس الجميع ثوب الحكاية، في محاولة لإضفاء معنى إنساني على المكان، وتحويل الصمت إلى خطاب.
وفي هذا السياق، لا تكون الحكاية الشعبية نقيضًا للوعي الأثري، بل مرآة لمرحلة من علاقة الإنسان بأرضه؛ مرحلة كان فيها الخيال وسيلته الأولى للفهم، وأداته لتفسير ما استعصى عليه إدراكه. فالعلم يثبت الحقائق، والحكاية تكشف الإنسان.
في العُلا، لا يقف الحجر وحده شاهدًا على الزمن، ولا تسكن الحكاية فراغًا بلا أصل. بينهما تتشكّل ذاكرة المكان: حجرٌ ثابت، وحكايةٌ متحركة، وإنسانٌ لا يكفّ عن البحث عن معنى، كلما طال الصمت.









