مكة - عاجل

تركي بن شجاع بن تركي الخريم يكتب لصحيفة ” مكة ” الإلكترونية بمناسبة قرب شهر رمضان المبارك : المعلي والمدلِّي.

المعلي والمولي

تركي بن شجاع بن تركي  الخريم يكتب لصحيفة ” مكة ” الإلكترونية بمناسبة قرب شهر رمضان المبارك : المعلي والمدلِّي.

لكل مثل أهداف نسقية تختلف مستوياتها علوا وانحدارا، إلا أن قياس المستويات يفضي إلى التمكن من معرفة المقصود، فكيف إذا كان الهدف المنشود هو التحقق والتمكن من أداء فريضة المعبود؟ وهذا المثل السائر يستعمل بصيغ مختلفة وشاعرية محترفة، ويتلقفه القائلون وكل يهيم به في أودية قلّ من يرتادها مثلهم، قال تعالى: “والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون”، وهذا الوصف واقع في حق غير المحسنين، أما من دلّ على قدوة حسنة وصدّ عن سواها فلا تشمله الآيات، قال الشاعر الشعبي شايع فارس العيافي:

حطني بين المعلِّي والمدلِّي واستذار وقال ما حوله خلافي.

والتمثيل بهذا البيت هو ليس للحصر على المثل ولا المقصود بكليته، ولا بأس أن نبين بعض مفردات هذا البيت الموظف وجمال التفاتته استخداما وتكييفا. وهو مقارب لمقصود الفكرة، بل يكاد يطابقها وينطبق على الدخول والخروج فيها؛ فـ(حطّني) قصد الشاعر نفسه أي؛ أن صاحبته جعلته بين حيص وبيص واستذارت مثلما يستذير الغزال النافر وما حوله خلاء أي ما عليه قصور ولا ضرر، وإن كان يرى نفسه خلاف ذلك؛ أي أنها علقته من قربها وأفلكته فأصبح كما يقول المثل: مثل دلو ذباذبا لا طبت الماء ولا عند جاذبا فالدلو لا فوق ولا تحت، وإن كان يقال: خير الأمور أوسطها، إلا أنها وسطية غير مرضية.

وعنوان المقال مدخل إلى قدوم الشهر الفضيل الذي تتعلى الأعمال وتتدلى به كالأغصان المثمرة لمن وِفّق إلى الإخلاص والاتباع، أما من خالف وتظاهر مع الناس فقد جاء له العلو، ولكنه انحدر وتدلى إلى الهاوية والنتيجة الخاوية وتنازعته الملهيات، وأصبح بين رافع وحادر والعياذ بالله من ذلك. فرمضان كالغيمة المطلة المظلة بما تحمل من المياه العذبة الصافية وجمال المنظر ورهبته وظلها الظليل عن الشمس اللاهبة، إلا أن المستظل بها أو المظلَّل قد يخرج منها أو قد تجاوزه، فلا هو تحت الظل ولا انهمر الغيث عليه. فلا جعل الله حال الأمة في هذا القدوم المبارك مثل حال هذا الموصوف.

والتفاتة الشاعر العيافي ونعت صاحبته بالغزال النافر تنزيها وتشريفا لبعدها عما يعيب ولا يثيب، ولعل العابد يقبل ولا يدبر وينفر كما نفر هذا الغزال عما يعيب ولا يثيب. واستخدام النفر والنفير والنفرة استخدام عربي لا تشوبه شائبة ودالّ مدلّ لمن يعرف مقاصد العربية، وأقرب مثالا لذلك نفرة الحجيج، ويقال: النفير العام لا قربه الله إلا في سبيله فنحمد الله على ما نحن فيه من الأمن والأمان. ولو أردنا أن نوسع مجال العنوان تدليلا وتعليلا لأمكننا ذلك مما في سعة الموروث، ولكن الهدف هو سوق المثل ودلالة تمكنه وعقلنته لمن وفّق لأخذ العبرة بالعبارات المختصرة، كما تقتضي الحكمة (خير الكلام ماقلّ ودلّ)، وقد قال الشاعر:

يمنى بلا يسرى تراهي ضعيفة ورجل بلا ربع على الغبن صبّار

وأقول: رجل بلا عمل وعقل مفلس ليس له إثمار، وحيث التعاضد في كل شيء يشد بعضه بعضا فنعاضد العنوان بمثل مستقر ومتداول لعرب الزمان قديمه وحديثه وله سَمي من المكان الذي انتصر فيه الحق على الباطل في رمضان واشتهر بالبيان من الرحمن، أما المثل فما رواه أبو عبيد القاسم بن سلام: والمثل (رجع بخفَّي حُنين) وخلاصته أن أعرابيا ساوم حنينا الإسكافي على خفين، فاختلفا فأراد حنين غيظ الإعرابي فطرح له الخفين بمكانين مختلفين في الطريق، فمرّ الأعرابي بأولهما فقال: ما أشبه هذا الخفّ بخفّ حنين ولو كان الآخر معه لأخذته، فمضى فإذا بالآخر مطروحًا على الطريق فترك دابته وما عليها ورجع لأخذ الأول، والإسكافي كامن له، فأعقبه على راحلته وما عليها فذهب بها، وعند عودة الأعرابي إلى قومه قالوا: ماذا جئت به من سفرك؟ فقال: (جئتكم بخفيّ حنين)، فذهبت مثلا. فنعيذ القارئ المسلم أن ينطبق عليه شيئا بما مثلنا به، وأن تكون العبرة له مضاعفة كاسبة للغنيمة مبعدة عن الحريمة، وكل عام وأنتم بخير وأجر مضاعف وأمن مستديم ورخاء ونعيم للمواطن والمقيم. ولو تُمعِّن فيما سيق من الأمثال وما سُكت عنه لمقتضاه في السياق وفطنة المعتبر، لكانت الأمثال مع التوسعة والشرح مسودة بالحبر لصفحات تقتضي حسن البيان وجمال العيان ووعي جامع الأمثال وكانزيها لما تحتويه على بعد الغور وإحداث الفور؛ أي التفاعل عند من عرف أعمالها واستعمالها، أما (حُنين) المكان الذي شرق مكة مع ميل إلى الجنوب الشرقي معلوم مفهوم لأهل التراث إلا من قلّ والوارد في قول المولى: “ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم” فموضع حنين بحكم عنايتنا بالمواضع وتحقيقها، فله حديث يحتوي التأثير لعل التعبير يستوعبه ويوضح مقاصده فإلى لقاء قادم والسلام.

وحرره:
تركي بن شجاع بن تركي الخريم
باحث يهتم بالتراث الجغرافي والقبائل.

Turki11_88

هاني قفاص

تربوي - اعلامي مكة المكرمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى