كتب إلياس الخوري عند رحيل صديقه محمود درويش: «عندما يموت أحد الأصدقاء يموت جزء مني، فكيف لي أن أتحمّل مشقة ما تبقى من الحياة وأنا أشهد موت أجزائي؟». وكتب سعيد السريحي: «ولكن عندما مات أخي مات كل ما تبقى مني؛ تلاشت الصورة التي تجمعني بأختيّ وأخي، وبقيت فيها بنت العاشرة وحيدة، وكأنها عود يابس يوشك على السقوط. رحلتم تباعًا، الأكبر فالأكبر».
اختلى أخي بنفسه في العناية المركزة ثلاثة أشهر وأربعة عشر يومًا، وفي الشهر الأول منها لم يُسمح لنا برؤيته إلا من خلف نافذة زجاجية. كنت أضع أناملي عليها لعلّي أحسّ نبضه، فتصدمني برودتها، فتنكمش أناملي مرتدّةً إليّ. كل يوم، وأنا في طريقي إليه، أعدّ في ذهني ما سوف أحكيه له؛ أراه سامعًا منصتًا كعادته، أبلغه سلام وسؤال الأحبة والأصدقاء ممن حالت العناية المركزة بينهم وبينه، أحدثه بما في نفسي، أبتسم حينًا وأقطّب حينًا آخر، ورغم صمته كنت أشعر بيده تربت على كتفي، تمسح على رأسي وهو يقول: «صلوح، أنتِ قوية»، العبارة التي كان يرددها كلما لمس مني ألمًا أو ضعفًا.
آه يا شقيقي، لو تعلم أنني كنت أستمد القوة منك؛ كنت أخجل أن أضعف بين يديك وأنا أخت سعيد، فيشتد ساعدي بك، وأردد: الحمد لله الذي وهب لي من رحمته أخي سعيد، فقد كنت ساعدي وعضدي وعصاي التي أتوكأ عليها وأهش بها على صعوبات الحياة فأقف منتصبة.
بعد ثلاثة أشهر وأربعة عشر يومًا، وأثناء زيارتي المعتادة لك، أُغلق أمامي باب غرفتك، وحُجبت النافذة الزجاجية، وحيل بيني وبينك. ورغم وجود الأهل والأصدقاء، كنت وحيدة، أردد النظر بين الباب والنافذة؛ لعلّي ألتمس فرجة أراك من خلالها. بعدها بدقائق فقط بُلّغت برحيلك، فمادت الأرض تحت قدمي. رحلت يا أخي إلى دار الخلود، وتركت مكانك شاغرًا وصوتك صامتًا.
رحلت بعد أن أديت أمانة اللغة والفكر، وتوقف قلمك، فنهضت أقلام شهود الله في الأرض مشيدة بذكرك فكرًا وعلمًا وخلقًا. سيبقى ذكرك خالدًا في مسيرة الأدب والفكر، وستبقى كتاباتك ومحاضراتك مرجعًا، وفكرك موردًا.
طبت أخي حيًا وميتًا، وطاب مثواك.
