المقالات

حين يعمل التعليم بزمنٍ لم يعد موجودًا

الغياب الطلابي في رمضان لا يُفسَّر بوصفه خللًا إداريًا أو ضعفًا في الانضباط، لأنه يتكرر كل عام بالمنطق نفسه مهما تغيّرت اللوائح وتعددت التوجيهات. ما يحدث في جوهره ليس “مشكلة حضور”، بل نتيجة مفارقة زمنية صلبة: المدرسة تعمل بزمن، بينما يعيش المجتمع في رمضان بزمن آخر. وبين الزمنين يُدفع الطالب كل صباح إلى التزام لا تدعمه البيئة التي يعيش داخلها.

المفارقة هنا ليست تفصيلًا، بل هي أصل القضية. فالنظام الدراسي الحديث تأسس تاريخيًا على افتراض مجتمع نهاري مستقر: نوم ليلي منتظم، عمل صباحي، حركة اقتصادية وخدمية تبلغ ذروتها نهارًا، وإيقاع حياة يجعل الصباح مركز الفعل والالتزام. لم يكن هذا الافتراض تنظيرًا مجردًا، بل انعكاسًا طبيعيًا لبنية اجتماعية كاملة، حيث كان النهار هو الزمن المنتج، والليل زمن السكون.

لكن رمضان في المجتمع المعاصر لم يعد مجرد شهر يخف فيه الإيقاع، بل أصبح شهرًا يعيد تشكيل الإيقاع نفسه. خلال عقود قليلة تغيّرت أنماط الحياة بصورة جذرية: تمددت المدن، توسعت الفعاليات، انتقل الاستهلاك والنشاط الاجتماعي إلى ساعات متأخرة، وأُعيدت برمجة المجال العام إعلاميًا واقتصاديًا حول الليل. لم يعد الليل فراغًا بين يومين، بل أصبح زمن الحضور الاجتماعي الكامل. ومع هذا التحول، لم تعد حياة الأسرة تُبنى حول الصباح كما كانت، بل حول ما بعد الإفطار وما يتلوه.

هنا تتجلى المفارقة التاريخية بين زمنين متباعدين في شروطهما ومعطياتهما: زمن مدرسي نشأ داخل مجتمع نهاري، وزمن رمضاني معاصر تشكل داخل مجتمع ليلي واسع الفعل. الأول يفترض صباحًا قابلًا للحياة والالتزام، والثاني ينتج واقعًا يجعل هذا الصباح خارج الإيقاع العام. وحين نُصرّ على أن تعمل المدرسة في رمضان كما تعمل في بقية العام، فإننا لا نواجه سلوك طالب، بل نواجه تحولًا اجتماعيًا كاملاً.

لهذا لا تنجح المعالجة حين تُحصر في ضبط الحضور. لأن المدرسة في هذه الحالة لا تُدار داخل بيئتها الاجتماعية، بل في تعارض معها. يتكرر اتساع الغياب كل عام رغم اختلاف الإجراءات، بما يجعل الظاهرة أقرب إلى نمط اجتماعي ثابت منها إلى مخالفة فردية عابرة. ومع تكرار هذا التعارض، تتشكل فجوة بين ما يطلبه النظام وما ينتجه الواقع، ويتحول الجهد إلى محاولة إدارة نتيجة معروفة مسبقًا.

حتى خيار “التعليم عن بعد” لا يزيل المفارقة، لأنه يبقي الالتزام اليومي قائمًا داخل الإيقاع نفسه. تتغير الأداة، لكن يبقى التوقيت. وتتحول المنصة إلى صورة أخرى من المشكلة، دون أن تعالج سببها الأصلي.

المعالجة الواقعية تبدأ من التعامل مع التقويم بوصفه أداة تنظيم، لا نصًا ثابتًا. إقرار توقف منظم ومحدود للدراسة الحضورية في بعض أيام رمضان—حين تبلغ المفارقة ذروتها—ثم تعويضها لاحقًا بإعادة توزيع زمنية داخل العام نفسه، ليس تعليقًا للتعلم، بل إعادة تموضع له في ظرف يدعم فاعليته. فالزمن التعليمي لا تُقاس قيمته بعدد أيامه، بل بقدرته على تحقيق أثره حين يعمل في بيئة منسجمة معه.

هذا الطرح لا ينطلق من مثالية، ولا من مقارنة بظروف تاريخية مختلفة، بل من إدراك أن المجتمع تغيّرت معطياته، وأن التقويم التعليمي جزء من هذا المجتمع لا منفصل عنه. فالأنظمة القوية لا تُقاس بقدرتها على تثبيت الشكل نفسه في كل الظروف، بل بقدرتها على إدارة زمنها بما يحفظ غاياتها.

رمضان لا يطرح سؤال الغياب بقدر ما يطرح سؤال الزمن نفسه. وربما آن الأوان أن يُدار هذا الزمن بواقعية، بحيث يعمل التعليم داخل إيقاع المجتمع، لا في مواجهة إيقاع لم يعد قائمًا كما كان.

# الدراسة في رمضان

المدير العام للتعليم بمنطقة مكة (سابقاً)

أ.د. أحمد بن محمد الزائدي

مدير إدارة التعليم بمنطقة مكة المكرمة سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى