ها هو رمضان يعود .. لا كضيف عابر، بل كموعد سماوي يتكرر ليعيد ترتيب القلب، ويرمم ما تهدم في الداخل، ويضع على كتف الروح جناحًا من نور. يأتي رمضان كأنه رسالة تقول لنا: ما زال الباب مفتوحًا، وما زالت الرحمة أوسع من أخطائك، وما زال في العمر فرصة لتبدأ من جديد.

رمضان .. موسم العودة لا موسم العادة
كم مرة ركضنا خلف الأيام حتى أرهقتنا التفاصيل؟ كم مرة حملنا من الهم ما لا يرى، ومن التعب ما لا يحكى؟ ثم يأتي رمضان ليعلمنا أن الحياة ليست سباقًا دائمًا، وأن القلب يحتاج محطة يتزود فيها بالإيمان، ويستعيد فيها معنى السكينة.
رمضان ليس تغييرًا في جدول الطعام والنوم فقط؛ بل تغيير في زاوية النظر إلى الحياة. هو شهر “تخفيف الأحمال”: أحمال الذنب، وأحمال القلق، وأحمال الانشغال بما لا ينفع. فيه نعيد اكتشاف أنفسنا حين نمسك بخيط الدعاء، ونتلمس الطريق إلى الله كما لو أننا نراه لأول مرة.
الرحمة .. حين تصبح السماء أقرب
في رمضان، الرحمة ليست فكرة تقال، بل شعور يعاش. تشعر بها في دمعة صادقة عند السحر، في دعوة تخرج من القلب بلا تكلف، في لحظة خشوع تهذبك من الداخل. كأن الله يفتح لنا نافذة على الطمأنينة ويقول:
“تعالوا .. هنا مساحة للتخفف، هنا حضنٌ يليق بتعبكم”
الرحمة في رمضان لا ترمم عبادتنا فقط، بل ترمم علاقتنا بأنفسنا وبالناس. تعلمنا أن نلين، أن نعفو، أن نترك مساحة للآخر، أن نربت على خواطرنا بدل جلدها. لأن الله إذا رحم .. علمنا الرحمة.
الغفران .. إعادة كتابة القصة
جميل أن تصلح خطأك، والأجمل أن يغفر لك. والغفران في رمضان ليس مجرد “محو” للذنب، بل “تحويل” للإنسان. تخرج من الصلاة أخف، ومن الاستغفار أنقى، ومن التوبة أكثر صدقًا. كأنك تكتب فصلًا جديدًا في حياتك، عنوانه: “اللهم غيرني للأحسن”
رمضان يمنحك فرصة نادرة: أن تنظر إلى ماضيك دون أن تسجن فيه، وأن تتعلم منه دون أن تجلد بسببه. فالله لا يريدنا مثاليين بلا خطأ؛ يريدنا صادقين في الرجوع.
العتق من النار .. أعظم أمنية
ومهما كتبنا عن رمضان، يبقى أعظم ما فيه تلك الأمنية التي ترتعش لها الأرواح: العتق من النيران. أن يكتبك الله من أهل النجاة، أن يرفع اسمك في سجلات الرحمة، أن تكون ممن مروا ببوابة رمضان فخرجوا أحرارًا من قيود الذنب، ومن أسر الغفلة.
العتق ليس جائزة لمن لا يخطئ؛ بل لمن لا ييأس. لمن يحسن الظن بالله، ويطرق الباب كل يوم، ويبكي بين يديه ولو بكلمة واحدة: “يا رب”.
كيف نستقبل رمضان استقبالًا يليق به؟
استقبال رمضان لا يحتاج “كثرةً” بقدر ما يحتاج “صدقًا”. وإليك مفاتيح بسيطة لكنها عميقة:
-
نية جديدة: قل: يا رب، أريد رمضان مختلفًا .. يغيرني لا يمر علي.
-
قلب أخف: سامح من أساء، أو على الأقل ابدأ طريق المسامحة.
-
ورد ثابت: القليل الدائم يفتح أبوابًا عظيمة.
-
دعاء حاضر: لا تجعل الدعاء فقط في الضيق؛ اجعله لغة يومك.
-
صدقة تطفئ: صدقة خفية قد تكون سبب نجاتك.
-
خلوة قصيرة: دقائق مع القرآن أو الاستغفار تصنع فرقًا هائلًا.
رمضان .. ليس شهرًا في السنة، بل قلب السنة
رمضان مدرسة الروح، ومختبر النفس، وميناء العودة. من دخله بصدق خرج منه مختلفًا: أهدأ، أصفى، أقرب، وأقوى. لا لأن الأيام تغيرت، بل لأن القلب تغير.
فيا الله …
بلغنا رمضان بلاغ من ينتظر رحمتك، ويطلب غفرانك، ويرجو عتقك.
اللهم أجعلنا فيه من المرحومين، والمغفور لهم، ومن عتقائه ووالدينا ووالد والدينا وأهلينا وذرياتنا من النار.
واجعل قدومه بداية فرجٍ وجبرٍ ونورٍ وطمأنينة .. لنا ولمن نحب 🌙


