المقالات

رمضان… عنايةُ الله بالعبد الضعيف

لم يجتمع عقلُ بشرٍ، ولا تواطأت أفكارُ الأنبياء والعلماء والمفكرين عبر العصور، ليختاروا عدد أيام هذا الشهر المبارك، ولا ليقدّروا ما أودع الله فيه من خيراتٍ وبركات؛ وإنما نزل تشريعه من لدن حكيمٍ خبير، يعلم مصالح عباده، ويعلم خفايا نفوسهم، ويعلم ضعفهم وحاجتهم إلى مواسم الرحمة.

فالله عز وجل يعلم ضعف هذا الإنسان، وقد قال سبحانه: ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾، فلم يتركه لضعفه، ولم يكله إلى عجزه، بل أعانه وهيأ له موسمًا يتقوّى فيه على نفسه وعدوه. فإذا أقبل رمضان صُفِّدت الشياطين، وخفَّ صوت الوسوسة، وانكسر سلطان التثبيط والكسل، فأصبحت الطاعة أقرب، وأيسر، وأحب إلى القلوب. وكأن الله ينادي عبده: هذا زمن الصفاء، فادنُ واقترب.

وتُفتح أبواب الجنان؛ فيُفتح باب الصدقة فتجود النفوس بعد إمساك، ويُفتح باب الريّان للصائمين فيعظم الرجاء، ويُفتح باب الذكر والقرآن فتستنير القلوب بعد غفلة. تصبح الأبواب مشرعة تدعو إلى التنافس، وتحضّ على المسارعة، وتبشّر بأن الطريق إلى الله أقصر لمن صدق العزم.

وتُغلق أبواب النيران، فتطغى الطاعات على الخطايا، وتغمر الرحمات آثار الذنوب. غير أن المعصية – إن وقعت – تعظم جرمًا؛ لكرامة الزمان، وعلوّ منزلته، ومكانته عند الله وفي قلوب المؤمنين. فحرمة الشهر ليست كحرمة سواه، ومن عرَف قدره، عظّم أمره.

رمضان ليس مجرد أيامٍ معدودات، بل هو عنايةٌ إلهية بالعبد الضعيف؛ شهرٌ يُربّيه على المجاهدة، ويذوّقه حلاوة القرب، ويعلّمه أن ضعفه ليس نهاية الطريق، بل بدايته نحو الالتجاء إلى القويّ العزيز. فيه يتعلّم أن النصر الحقيقي ليس في تجويع الجسد، بل في تهذيب الروح، وليس في تقييد الشيطان فحسب، بل في تقييد الهوى.

فإذا انقضت أيامه، فليس العجب ممّن صام وجاع، ولكن العجب ممّن خرج منه وقد رقّ قلبه، وخفّ حمل ذنبه، واقترب من ربّه خطوةً صادقة. ومن كان لله فيه، كان الله له بعده، ومن ذاق لذة القرب فيه، اشتاق إليها سائر العام.

فاللهم كما بلّغتنا رمضان، فبلّغ قلوبنا مقصده، وأعنا فيه على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واجعلنا فيه من عتقائك من النار، ومن المقبولين الفائزين برضوانك يا رب العالمين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى