يأتي يوم التأسيس هذا العام ليوافق 22 فبراير من كل عام، تجسيداً لقيام الدولة السعودية الأولى عام 1139هـ/ 1727م على يد الإمام محمد بن سعود في الدرعية.وانطلق من التزامي تجاه كل نساء السعودية اللاتي صنعن تاريخا عظيما وارثا لايمكن تجاوزه وأقف اليوم احتراما لأمرأة عظيمة من نساء الوطن الشامخ حيث تُعد الأميرة نورة بنت عبدالرحمن من أبرز الشخصيات المحورية في تاريخ المملكة العربية السعودية، حيث كان لها دور جوهري في تأسيس الدولة السعودية الحديثة لم يقتصر تأثيره على مستوى النساء بل لعبت دورًا هامًا في تأسيس دعائم الدولة السعودية الحديثة.
وُلدت الأميرة نورة في عام 1875م، وهي الشقيقة الكبرى للملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود مؤسس المملكة العربية السعودية والتي تعد سيدة السعودية الأولى كما ذكرتها مصادر أجنبية عديدة، تكبره بسنة واحدة، ولدت في مدينة الرياض عام 1875م، لذا ارتبطت به ارتباطاً وثيقاً، كما كانت في رفقته عند خروج والدهما الإمام عبدالرحمن من الرياض في أعقاب موقعة المليداء إلى الكويت عام 1891م.
لعبت الأميرة نورة بنت عبدالرحمن دوراً محورياً في دعم جهود أخيها الملك المؤسس عبدالعزيز في السعي أولاً لاستعادة ملك آبائه، ثم لتوحيد البلاد. فقد ذكرت مصادر تاريخية عديدة أنها كانت من أوائل المشجعين والداعمين له عندما قرّر استعادة الرياض، وحثّته على تكرار المحاولات، ولم تتردّد لحظة في تقديم كلّ ما لديها من دعم مادي ومعنوي لإنجاح هذه المهمة الصعبة. بل ذكر التاريخ أن والدته بكت في آخر مرّة قرّر فيها الإمام عبدالرحمن الخروج لاستعادة أرضه، وحاولت أن تثنيه خوفاً عليه بعد محاولتين لم يكتب له فيها النجاح، لكنّ الأميرة نورة شجعته وقالت له إن الرجال لم يُخلَقوا للراحة. وقال عنها المؤرخ بيسون ايف عنها في كتابه “ملك الصحراء”: “تتمتع بحملها عقول أربعين رجلاً”. ثم كان لها دور كبير في دعم الملك عندما عادت الأسرة إلى الرياض للاستقرار بها، وبدأت بمساندتها لأخيها وملك البلاد حتى آخر يوم في حياتها.
تعد الأميرة نورة بنت عبدالرحمن نموذجاً للمرأة السعودية من حيث الحصافة والحكمة ورجاحة العقل والدين والورع والفضل، متفتحة في سلوكها بما يتناسب مع قيم وعادات سليلة الأسرة الحاكمة للبلاد المباركة منذ 300 عام. نورة بنت عبدالرحمن التي قدّمت إسهامات جليلة في مجال العمل الإنساني والاجتماعي، وكانت من العناصر الفاعلة في تطوير المجتمع السعودي بإسهاماتها الاجتماعية والإنسانية، كما كانت الأميرة نورة رمزاً للعطاء والإحسان، حيث كانت تولي الأيتام والأرامل اهتماماً خاصاً، وتقدّم لهم الدعم المادي والمعنوي. وكانت تستقبل الزائرات الأجنبيات للرياض، وتقوم بدور “السيدة الأولى” في المجتمع السعودي كما ذكرت ذلك مصادر أجنبية عديدة.
“أنا أخو نورة” في حالات الرضى أو “أخو نورة المعزي” في حالات غضبه الشديد، لم تعد كلمة عادية بل أصبحت أشهر عبارة ردّدها الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود لتبقى عبر التاريخ خالدة تعبّر عن الدور النسوي الهام والمحوري في توحيد هذه البلاد المباركة، كانت الأميرة نورة تمثّل حافزاً قوياً للملك عبدالعزيز في سعيه نحو استرداد ثم توحيد بلاده المملكة العربية السعودية.
يذكر مؤرخو الجزيرة العربية أن الملك عبدالعزيز كان يعتمد على أخته نورة في بعض الجوانب التي تخصّ شؤون القبائل، خاصة ما يتعلق بالنساء اللاتي لهن صلات بأفراد من شيوخ القبائل وذوي السلطة في المجتمع، لما عُرف عنها من رجاحة العقل والحكمة والصبر. كما كانت صاحبة رأي سياسي؛ إذ كان الملك عبدالعزيز يتباحث معها، ويبوح بأسراره ويأتمنها على تلك الأسرار. كما كان ينتخي ويعتزي باسمها فخراً، فيقول: “أنا أخو نورة” وهي المقولة التي اشتهر الملك بترديدها، ورصدتها كتب التاريخ لتعبّر عن فخره واعتزازه.
للأميرة نورة عند الملك عبدالعزيز مكانة عظيمة، فقد كان يُكنّ لها قدراً كبيراً من المودة والتقدير، ويقرّ لها بكثير من الفضل في دعمه ودعم نساء الأسرة، ومعالجة الشؤون العائلية، فكانت له خير معين ونصير، مما مكّنه من تركيز وقته وجهده بما هو أهم كالسعي لتوحيد هذه البلاد المباركة والوقوف على شؤونها السياسية وتسيير الأمور الاقتصادية والجغرافية.
ثم كان لها اهتمام كبير بتنمية قدرات النشء، فاهتمت بتعليم الأطفال وتنمية مداركهم وتحفيزهم لتعلم وحفظ القرآن الكريم، وتكافئ من يختم القرآن منهم، كما كانت عطوفة على الأيتام وتجد لذة في العطف على من حُرِم والديه أو عاش مشاعر اليتم.
وأما الإرث الذي تركته الأميرة نورة فهو بصمة واضحة في تاريخ المملكة العربية السعودية. فهذا الإرث الكبير أراد له الملك الإنسان عبدالله بن عبدالعزيز -يرحمه الله- أن يخلد ذكرها فسُميت جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن في الرياض باسمها؛ تقديراً لدورها الريادي وتكليلاً لجهودها، وتخليداً لاسمها في دعم التعليم والمرأة السعودية. حيث تعتبر الجامعة الأكبر من حيث المساحة الجغرافية على مستوى العالم بأسره حيث تبلغ مساحتها 8 ملايين متر مربع. وقد أصدرت جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن كتاباً عنوانه: “الأميرة نورة بنت عبدالرحمن: سيرة مصورة”. وتضم الجامعة اليوم كليات متخصصة في الطب، والهندسة، والعلوم، والإدارة، والفنون، والتربية، وغيرها، مما يجعلها صرحاً تعليمياً حيوياً، بل معلماً حضارياً من معالم المملكة العربية السعودية.
توفيت الأميرة نورة بنت عبدالرحمن في عام 1950م عن عمر ناهز 77 عاماً، وقد أدت وفاتها إلى تأجيل الاحتفال بمرور 50 عاماً على استرداد الرياض، لقد كان عمراً طويلاً في دعم استرداد ملك أجدادها، ودعم ملك أخيها وأبنائه من بعده تاركةً وراءها إرثاً من العطاء والتأثير الذي لا يزال صداه يتردد حتى اليوم وسيخلده التاريخ ويتناقل أثره جيلاً بعد جيل. وانه حري بنا نساء الوطن وأبناء هذا العصر الذهبي للمرأة السعودية أن نذكر هذا التاريخ بكثير من الفخر والاعتزاز بما صنعته أمرأة عظيمة كانت السند والأمان لمؤسس هذه البلاد المباركة.






