المقالات

الصائم والعجلة… امتحان الأخلاق قبل الغروب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فيتحدث الخالق جلّ وعلا في غير ما موضع عن الإنسان وطبيعته العجولة التي جُبل عليها، ومن ذلك قوله تعالى في محكم التنزيل: {وَخُلِقَ الْإِنسَانُ عَجُولًا}. ويذكر الإمام التابعي الجليل مجاهد، أحد الذين تلقّوا العلم عن ابن عباس رضي الله عنهما، فيما معناه: أنه لما خلق الله أبانا آدم عليه السلام في آخر النهار، وبدأ من رأسه وعينيه ولسانه، فلما أحيا فيه الروح قال آدم قبل اكتمال خلقه: يا رب، استعجل بخلقي قبل غروب الشمس.

وهذا يتوافق مع ما نراه الآن عند كثير من الناس من رغبة شديدة في الوصول إلى أهدافهم، سواء بالحلال أو الحرام، وبطريقة عاجلة قد تضر بسلامتهم وقد تؤذي الآخرين من حولهم. ويظهر ذلك جليًا في قيادة السيارات بطرق متهورة وسرعات عالية، وبالأخص من قبل الشباب في ثقافات وأماكن معينة، دون إدراك أن لقيادة السيارات أخلاقيات متفقًا عليها لا يصح تجاوزها، وهي مرتبطة بالتربية السليمة والرقي والتطور الحضاري.

وعندما ترى هذا الاندفاع والتسابق بين الشباب في قيادة السيارات، تظن أنهم يفعلون ذلك للحاق بهدف عظيم، وتصاب بالخيبة عندما تكتشف أنهم ذاهبون لشرب كوبٍ من القهوة!

وهذه العجلة قد تكون محمودة أحيانًا في الأعمال الصالحة، كما ورد في الآية الكريمة: {وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى}، وهذا أيضًا بضابط ألا يكون فيه ضرر على الآخرين.

ويُستشهد بما ورد عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالرفق عند الحجر الأسود، فقال له: «يا عمر، إنك رجل قوي، فلا تزاحم الناس فتؤذي الضعيف». وفعلاً نرى هذا النوع من المزاحمة العنيفة من بعض الفئات من الحجاج والمعتمرين في أماكن العبادة.

أما العجلة المذمومة فهي التي تشمل المساس بأخلاقيات الدخول إلى الأسواق، وكيفية التعامل في البيع والشراء في الأماكن المزدحمة؛ حيث نرى بعض الناس لا يحترمون الدور وترتيب القدوم إلى منصة البيع في المطاعم والصيدليات والبقالات ونحوها، فيتدافع مع الآخرين ولا يحترم من جاء قبله ولا من هو أكبر سنًّا منه، ويعتبر ذلك نوعًا من الذكاء أو «الفهلوية»، وكأن وقته أثمن من أوقاتهم.

وأذكر أنني كنت مرة أقف في طابور أمام صيدلي، فنزل أحدهم من سيارة فارهة وبملابس تنمّ عن رقي، وجاء خلفي وصرخ بأعلى صوته: «هيه يا محمد، أعطني مضادًا حيويًا!»، فلم أستطع أن أفهم كيف جمع هذا بين هذه المتناقضات.

وهذه العجلة، وعدم الرفق واحترام الدور، هي غالبًا ما تؤدي إلى المضاربات والعراك بين الناس في قيادة السيارات وفي أماكن التسوق، وللأسف أدّى بعضها إلى القتل أو دخول المستشفيات بإصابات بالغة. وتكثر حوادث التشاجر هذه في شهر رمضان، وبالذات قبل الغروب، ويتحجج البعض بدافع الجوع والعطش وصداع الرأس الذي يصيب بعض المدخنين.

وإن ما يدعو إلى الدهشة أن تحدث هذه المشاحنات، وأن يقاتل المسلم أخاه المسلم في هذا الشهر الفضيل، الذي ينبغي أن يحرص فيه الإنسان على الاستكثار من الحسنات لا السيئات، من أجل خبز أو فول أو بضاعة أخرى! فليس لذلك تفسير إلا أنها الحماقة بعينها، وتحريش من الشيطان.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم:
«إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن لم ييأس من التحريش بينهم».
ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام:
«سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (متفق عليه).

لذلك ينبغي الحذر من الوقوع في هذا الإثم العظيم. فما المشكلة أن تنتظر دورك بهدوء ورقي، حتى ولو وصلت إلى بيتك بعد الأذان؟ فهو الأسلم لدينك، ولصحة صيامك، ولصحتك الجسدية والنفسية، ولحفظ احترام الناس لك.

ولنتذكر الحديث الشريف الصحيح:
«وإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم».

أ.د. حسني بن أحمد مؤذن

أستاذ متقاعد من جامعة ام القرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى