الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
ففي عام 1992م صدر كتاب عظيم جامع بعنوان «أدب الخلاف» لفضيلة إمام الحرم المكي الشريف، الشيخ الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد — أطال الله عمره — شخص فيه ما تعانيه الأمة من فرقة نتيجة اختلافها حول كثير من المسائل الشرعية والفقهية؛ حيث أدى هذا الخلاف، في بعض الأحوال، إلى كراهية متبادلة بين الفرق المختلفة في الرأي، بسبب الأساليب غير السوية في إدارة هذا الخلاف والتعامل معه وفقًا للكتاب والسنة.
وذكر فضيلته نوعي الخلاف: خلاف مشروع في مسائل الاجتهاد التي تحتمل أكثر من رأي، ولكل قول دليله، وخلاف مذموم ينشأ عن الهوى والتعصب أو مخالفة النصوص. كما بيّن بعض أسباب الخلاف، ومنها: اختلاف فهم النصوص، واختلاف ثبوت الحديث، واختلاف طرق الترجيح بين الأدلة، وتفاوت المدارك والعلم. وأوضح أن هذه أسباب علمية طبيعية، لا يجوز أن تتحول إلى سبب للطعن والانتقاص.
كما بيّن فضيلته بعض الآثار الخطيرة لسوء إدارة الخلاف، ومنها: التفرق والتحزب، وقسوة القلب، وانشغال الناس بالصراعات بدل البناء، وسقوط هيبة العلماء. ووضع خريطة طريق لأخلاقيات الخلاف التي لا بد أن تُتبع، وهي: إخلاص النية في الوصول إلى الحق لا الانتصار للنفس، وحسن الظن بالمخالف، والتفريق بين القول والقائل، وقبول الحق ممن جاء به، وعدم تتبع الزلات أو التشهير، وأخيرًا مراعاة المصلحة العامة ووحدة الصف.
وبعيدًا عن تناول ما ذكره فضيلته من أمثلة في هذه الخلافات، سأتطرق إلى بعض النماذج المعاصرة التي ربما نشأ عنها شيء من الاضطراب في واقعنا، وأدت إلى بلبلة بين عامة الناس؛ بعضها فقهي، وبعضها عقدي، وبعضها سياسي، مع بيان كيفية تعامل العلماء معها قبولًا أو ردًا، بما يميز بين العلماء الربانيين وغيرهم.
وأضرب لذلك مثالًا من أدب الخلاف بين العلماء الربانيين، وهو ما ورد عن رأي ابن حزم — رحمه الله — في مسألة حكم الغناء والمعازف؛ إذ لم ير بأسًا بها، لأن من حرّموها استندوا بصفة رئيسية إلى الحديث الذي رواه البخاري عن النبي ﷺ: «ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف». وقد ظهر له ضعف هذا الحديث من جهة الإسناد، فرأى أن في سنده انقطاعًا، فحكم بعدم صحته.
وهذا الرأي لم يدفع بقية العلماء إلى القدح فيه قدحًا شخصيًا أو الطعن في فقهه وتوجهاته بصفة عامة، بل إن بعض كبار العلماء — كابن عثيمين رحمه الله — وبالرغم من كونه حنبلي المذهب، كان يوافق ابن حزم في بعض مسائل الحج المدعومة بالدليل، ولم يُسمع منه قدح في ابن حزم أو تشكيك في فقهه.
ومثال آخر ما يتعلق برأي ابن تيمية — رحمه الله — حول المس الشيطاني وتأكيده لمعتقد حديث الجن على لسان الممسوس، بالرغم من أن هذا الأمر ليس عليه دليل صريح من الكتاب ولا من السنة، وإنما استند إلى ما هو مشاهد ومتواتر عند الناس. وقد تمكن الأطباء المعاصرون — بفضل الله ثم بفضل الأجهزة التشخيصية والعقاقير الطبية — من تفسير كثير من هذه الحالات تفسيرًا طبيًا.
ومع ما أثاره هذا الرأي من جدل، لم يُسمع من أهل العلم من يقدح في علم ابن تيمية أو مكانته، وهذا هو أدب أهل العلم الحقيقي القائم على احترام المخالف.
ويضاف إلى ذلك ما ذهب إليه — رحمه الله — في مسألة الطلاق بالثلاث بلفظ واحد وعدم وقوع البينونة الكبرى بهذه الصورة، على خلاف ما ذهب إليه أئمة المذاهب الأربعة رحمهم الله؛ حيث أدى ذلك إلى حيرة عند بعض العامة في هذا الأمر الاجتماعي الحساس، وانقسام بين مؤيد لهذا القول ومؤيد لقول الأئمة الأربعة، ومع ذلك لم يُنقل طعن في علمه ومكانته.
وللأسف، فإن من يستعرض التاريخ الإسلامي يلاحظ أن بعض الخلافات المذهبية بدأت بأبعاد سياسية، مثل النزاع على الخلافة في العصور الماضية، لكنها كانت — في مراحلها الأولى — محكومة بآداب الإسلام، ثم تطورت لاحقًا إلى خلافات مذهبية وعقدية.
كما أن هناك مسائل أُقحم فيها الجدل العقدي، مثل مسألة مكان وجود الله جل وعلا، وكان الأولى الوقوف عند النصوص المحكمة كقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، وقوله تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾، وقوله تعالى: ﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور﴾، دون الخوض في أمور تتجاوز إدراك العقول، وهو ما أدى — عند بعض الفرق — إلى التوسع في التكفير والتبديع وتشويش العامة.
ومن أمثلة الخلافات العقدية ما صرّح به بعض العلماء — من خارج المملكة وقلة من داخلها — حول بعض الفرق المصنفة منحرفة عند كثير من أهل العلم، مع تأكيد آخرين على عدم جواز إخراج من شهد الشهادتين من دائرة الإسلام احتياطًا، استنادًا إلى قوله ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري: «أيما رجل قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما»، وقوله ﷺ فيما رواه أبو داود وصححه الألباني: «أيما امرئ مسلم أكفَر امرأً مسلمًا، فإن كان كافرًا وإلا كان هو الكافر».
وللأسف، لا يزال بعض المعاصرين يختلفون في إدارة هذا الخلاف؛ فإذا وافقهم المخالف قالوا: أخطأ وله أجر، وإذا خالفهم في المنهج وصفوه بالضلال أو الابتداع، وربما بالغ بعضهم في إطلاق الأحكام، بل وصل الأمر عند بعض المتحمسين إلى إثارة النعرات الطائفية والتعصب لآراء الشيوخ عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا — بلا شك — ليس من أخلاق العلماء الربانيين.
فمتى يستريح العالم الإسلامي من هذه الخلافات؟ فمن الصعب أن ينجح أي فريق في إقناع الآخر بالكامل، والأجدر أن ينظر كل فريق في أخطائه ويعمل على إصلاحها، فالتشويش على العامة في مسائل الخلاف العقدي والمذهبي لا يجلب خيرًا.
إن الاختلاف إذا لم يُضبط بأخلاقياته أورث الكراهية بين المسلمين عبر قرون، ولا تزال آثاره ممتدة، حتى أصبحت بعض الفرق تتبادل التهم بحق وبغير حق، ودخل في الاتهام أبرياء بسبب التعميم.
فلنتق الله في بعضنا، ولنترك الحكم لله جل وعلا، فهو الذي يفصل بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون. فمن المستفيد من هذه الكراهية والتنابز بالألقاب: (يا أشعري، يا وهابي، يا صوفي، يا إباضي، يا رافضي، يا إخواني، يا جامي)؟ إن من المؤلم أن هناك من يعمل بصمت في إذكاء هذه الخلافات، والأولى أن نضع لها حدًا، ونتفرغ لما هو أهم لديننا ودنيانا ووطننا وأمتنا.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.



