بين الكويت والمملكة العربية السعودية خيطٌ يُحسّ في الوجدان، وعلاقة تتجاوز حدود الجغرافيا إلى مساحة أعمق من التاريخ، حيث تتجاور القيم قبل أن تتجاور الحدود، وتتلاقى الرؤى قبل أن تتلاقى المصالح، فليست مرتهنة بظرفٍ سياسي، ولا تحالف مرحلي، وإنما روح واحدة تنبض في بلدين، من الخليج الممتد بصفائه، إلى الصحاري التي حفظت في رمالها حكايات العبور، تشكّلت بين الشعبين ذاكرة مشتركة، وألفة طبيعية، ونمط حياة متقارب جعل من العلاقة قدرًا جميلًا يُعاش ولا يُستدعى.
يأتي الخامس والعشرون من فبراير كل عام، حاملاً للكويت معنى يتجاوز الاحتفال، ليكون استحضارًا لمسيرة وطنٍ صاغ ذاته بالصبر والحكمة، ومحطة وعيٍ تُستعاد فيها ملامح السيادة، ويُستحضر فيها جهد الأجيال التي بنت، وحمت، ورسّخت. وفي تزامنه مع الذكرى الخامسة والثلاثين للتحرير، يكتسب هذا اليوم بعدًا وجدانيًا أعمق؛ حيث تتلاقى ذكرى الاستقلال مع ذكرى استعادة الكرامة، في مشهدٍ يُذكّر بأن الوطن فكرة تُصان، وأن الحرية قيمة تُستعاد وتُرسَّخ.
بين السعودية والكويت جذورٌ ضاربة في عمق التاريخ، تعود إلى ما قبل رسم الخرائط، حين كانت الأرض واحدة، والقبائل تتنقل في فضاءٍ مفتوح، تصوغ علاقاتها بروح الأخوة والجوار، فهي ليست وليدة اتفاقيات، بل نمت من رحم العادات المشتركة، وتقارب المجتمع، ووحدة النسيج الثقافي والاجتماعي، هي باختصار روح خليجية واحدة، تتكلم بلهجة متقاربة، وتحمل منظومة قيم متشابهة، وتستند إلى مرجعية
منذ زيارة الإمام عبدالرحمن الفيصل والملك عبدالعزيز عام 1891م، ترسّخت هذه الرابطة في مسارٍ سياسي وتاريخي واضح، تعزز عبر العقود بتطابق المواقف والرؤى. وها هي المحطات الكبرى، تجسد الأخوة في أوضح صوره، نعم جذرنا واحد، لأن الأساس الذي قام عليه البلدان واحد: الإيمان بالوطن، والوفاء للتاريخ، والوعي بالمصير المشترك.
إذا كان الماضي قد جمع بين السعودية والكويت بروابط الأخوة، فإن الحاضر والمستقبل يعمّقان هذه العلاقة في إطار شراكة استراتيجية متكاملة، فالتعاون اتسع ليشمل مجالات الاقتصاد والتنمية والاستثمار والطاقة والبنية التحتية، في رؤيةٍ تعكس إدراكًا عميقًا بأهمية التكامل الخليجي.
تتلاقى رؤى البلدين في مشاريع اقتصادية طموحة، وتتناغم خطط التنمية في مسارات تعزز الاستقرار الإقليمي والنمو المستدام، وتشكّل الشراكات في قطاعات الطاقة والاستثمار والتجارة منصةً لتوسيع دائرة التعاون، بما يخدم مصالح الشعبين، ويعزز حضور البلدين في المشهدين الإقليمي والعالمي. ولعل هذا الامتداد تعبير عن ثقة متبادلة، وعن قناعة بأن التنمية حين تتشارك تصبح أكثر رسوخًا.
الكويت في قلب السعودية
الكويت في الوجدان السعودي حضور قريب في الذاكرة والمشاعر، وعلاقة تتجاوز لغة السياسة إلى لغة الشعور، حيث تتجلى الأخوة في تفاصيل الحياة اليومية، وفي التواصل الشعبي، وفي الإحساس المتبادل بأن الفرح مشترك، وأن الاعتزاز متبادل. وحين تحتفل الكويت بيومها الوطني، يتردد صدى الاحتفال في السعودية، فالمناسبة تخص الجميع، نعم الكويت في قلب السعودية، كما السعودية في قلب الكويت، لأن ما يجمعهما أكبر من حدود، وأعمق من ظرف، وأبقى من زمن.






