حين يخرج أنور قرقاش ليصف موقف مجلس التعاون خلال الأزمة الأخيرة بأنه “الأضعف تاريخياً، فإن السؤال لا ينبغي أن يُطرح على المجلس… بل عليه هو أولاً. لأن النقد حين يأتي ممن كان جزءاً من صناعة المشهد، يفقد قيمته ما لم يبدأ بمراجعة الذات قبل اتهام الآخرين. أي ضعف يتحدث عنه قرقاش؟ وهل الضعف يُقاس بالتصريحات… أم بالأفعال التي شقت الصف، وأربكت التوازن، وفتحت أبواباً لم تكن يوماً ضمن حسابات البيت الخليجي؟ لنكن أكثر وضوحاً: الدور الإماراتي في اليمن… هل ظل دائماً تحت جناح التحالف، أم أنه في محطات كثيرة بدا وكأنه يسير في مسار موازٍ؟ وفي السودان وليبيا والصومال… هل كانت تلك التحركات جزءاً من رؤية خليجية موحدة، أم مغامرات منفردة تبحث عن نفوذ خارج إطار الإجماع؟
وإذا انتقلنا من السياسة إلى الاقتصاد، تتضح الصورة أكثر. قرار الانسحاب من منظمة أوبك ليس مجرد خطوة فنية في سوق النفط، بل رسالة سياسية بامتياز. قد يكون القرار سيادياً في ظاهره، لكن في بيئة خليجية يُفترض أنها تقوم على التشاور والتكامل، يصبح السؤال مشروعاً: هل تم التنسيق مع دول محورية داخل المنظمة مثل السعودية والكويت؟ وماذا عن بقية الشركاء مثل العراق وليبيا؟ ربما لا يغير الانسحاب موازين السوق بشكل جذري، لكن أثره الأهم هو في الرسالة: هل نحن أمام شريك يعمل ضمن منظومة… أم لاعب يفضل إعادة تعريف قواعد اللعبة منفرداً؟
حين تتكرر هذه القرارات سياسياً واقتصادياً فإنها لا تُقرأ كحالات معزولة، بل كنمط. المفارقة الأشد وضوحاً لا تتوقف عند ذلك، بل تمتد إلى الإعلام. حين تستضيف أبوظبي منصات وأصواتاً إعلامية معارضة لسياسات خليجية، فهل هذا يعزز وحدة الصف؟ أم أنه يفتح جبهات ناعمة لا تقل أثراً عن الخلافات الصلبة؟ ثم تأتي تغريدات رموز الإعلام الإماراتي وفي مقدمتهم معاليكم، وعبدالخالق عبدالله، وضاحي خلفان والذين لا يمكن فصل آرائهم عن دوائر التأثير في أبوظبي، لتطرح تساؤلاً أكثر حدة: هل كانت هذه التصريحات خلال الأزمات تعزز التماسك الخليجي؟ أم أنها كانت جزءاً من خطاب استقطابي يزيد الفجوة بدل أن يردمها؟ إذا كان مجلس التعاون قد بدا ضعيفاً، فهل السبب أنه لم يُمنح فرصة أن يكون قوياً؟ أم لأن بعض أعضائه اختاروا أن يتحركوا خارجه، ثم عادوا لانتقاده؟ المشكلة ليست في النقد… بل في الانتقائية. وليست في توصيف الضعف… بل في تجاهل أسبابه الحقيقية.
فلا يمكن لمن يغرد خارج السرب أن يقف لاحقاً ليشتكي من تشتته. ولا يمكن لمن يفتح مسارات موازية أن يلوم الطريق الرئيسي على ازدحامه. الوحدة الخليجية لا تُقاس بالبيانات الرسمية، بل بالالتزام الصادق بها… ولا تُختبر في أوقات الاستقرار، بل في لحظات الاختلاف.ومن هنا، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم : من الذي أضعف المجلس صراحةً… بالقول وبالفعل


